كتاب وأراء

اليوم الرياضي.. بناء الهوية الوطنية والإنسانية

نظمت قطر الحبيبة منذ أيام؛ أرخبيلاً كبيراً من الأنشطة الرياضية المتنوعة المحتفلة باليوم الرياضي للدولة تحت توجيهات سامية ومباركة لصاحب السمو أمير البلاد، حيث تأتي مشاركتنا في هذا الحدث عاماً بعد عام (مؤسساتٍ وأفرادا) لتؤكّد روح الرياضة الهامة في عملية بناء الإنسان وديمومة صحته ولياقته والتي لها بالغ الأثر على كافة أوجه حياته آجلا وعاجلا، وبناء على ذلك نجد أنه منذ البدايات الأولى لمنهاج التعليم الجماعي في العصور القديمة وإلى زمننا لحاضر؛ نجد أنّ للتربية الرياضية موقعاً مهماً في تلك المناهج سواء أكانت لتعليم المواد العلمية أم الثقافية أو الاجتماعية أو العسكرية أو حتى في الاحتفالات الدينية كما في حضارات وادي الرافدين أو مصر القديمة واليونان، لذا كان من الصعب في الوقت الحاضر أن نجد منهاجاً تعليمياً متكاملاً وشاملاً يخلو من الفعاليات الرياضية، إذ أنّ أهدافها مطابقة للأهداف التربوية والتعليمية العامة، وعروجا إلى العصور الحديثة فإنك تلاحظ أنّ عملية إعداد مناهج دراسة التربية الرياضية في المدارس بشكل عام قد خضعت إلى معطياتٍ عدّة عندَ وضعها منها: فلسفة الدروس السياسية وكذلك إمكانية هذه البلدان وثقافات شعوبهم وقدرتهم على استيعاب مفاهيمها الفلسفية في خدمة النواحي البدنية والنفسية والجمالية والعلاجية، ونجد أنّ دولة قطر قد أكدت على أهمية الرياضة ليس فقط في مناهجها التربوية في التعليم المدرسي والجامعي بل تعدى ذلك إلى التدريبات الاحترافية الرياضية وإلى الاعتراف بمكانة الرياضة بتحديد يوم سنوي لها ليمارس فيه الجميع هذا النشاط كنمط حياه دائم.
عزيزي القارئ أكدَت الأبحاث العلمية أن عدم الحركة عادةً يكون سبباً في حدوث العديد من الأمراض ومن أهم وأشهر هــذه الأبحاث العلمية تلك الدراسة التي أجراها العالم الإنجليزي (جيري موريس) على عمال المواصـلات في لندن فوجدوا أن السائقين أكثر عرضة لأمراض القلب من زملائهم المحصـلين؛ لأن المحصلين أكثر نشاطا وحركة من السائقين، كذلك وجد أن موزعي البريد أقل عرضهً لأمراض القلب من موظفي مكاتب البريــد، فالموزعون يسيرون كل يوم مسافات طويلة بينما موظفو المكاتب يظلون خلف مكاتبهم دون حركة!
»فإن لجسدك عليك حقا» حديثٌ شريفٌ صحيح للنبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، وإنّهُ مما لا شك فيه أنّ من حق الجسد علينا العناية به خاصة بالجانب الرياضي والتدريب البدني، وقد كانت حياة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أنموذجا نقياً للحياة الطاهرة الطيبة الزكية، وتَأملْ هنا كيف جعل من النشاط الرياضي والتدريب البدني فرصةً لإدخال السعادة والفرح لأسرته، فها هو صلى الله عليه وسلم يسابق عائشة رضي الله عنها، وها هو يمكّنها من النظر من خلف جسده الشريف إلى لعب الأحباش بالحراب في المسجد!
قارئي العزيز، إن الرياضة ليست شكلاً من كماليات الحياة أو مظهراً للتسلية في أوقات الفراق، أنا أتحدث من منطلق أنّ الرياضة أو بذل أي مجهود بدني بشكل يومي تقريباً هو مطلب صحي وقائي، لأسباب عدّة منها: أسلوب الحياة الذي يعيشه الغالبية منا في الاعتماد على المواصلات في التنقل للمسافات الاضطرارية حتما وغير الاضطرارية كذلك، كما أن أغلب الأسر لديهم عمالة منزلية تساعدهم في كافة أمورهم وتقلل بالتالي درجة نشاطهم البدني، والأهم من هذا كله السلوك الغذائي السيئ في الغالبية، لذلك كانت أغلب أمراض هذا العصر: السكر في شكليه وضغط الدم الشرياني، وأمراض الربو والحساسية التي لا يكاد يخلو بيت من أحدها، وفي حالة مراجعتهم للطبيب سيصف لهم الدواء وفي نفس الوقت ينصحهم بالرياضة المناسبة، فلماذا ننتظر إلى هذه المرحلة التي في الغالب يكون الجسم فيها منهكاً من المرض، وبحاجة إلى الراحة، لماذا لا تكون البداية من قبل ذلك بكثير، للحفاظ على البنية القوية والخلايا الصحية النشطة!
أنا أول المحتاجين لتطبيق نمط حياة صحي وحركي، وأعزّي نفسي دوماً أن حياتي مليئة بالضغوطات، وفي الحقيقة يجب أن أخضع نفسي لعملية موازنة بين ما يستحقه جسدي ويستحقه عقلي وأنال ولو القليل من الاهتمام في جانب النشاط البدني والصحي الوقائي فهذا مقال أكتبهُ لنفسي أولا ولكم بالنتيجة، وإني أشدُ على يدي وعلى أيدي الجميع أن هذا اليوم اليتيم للرياضة في السنة يتحول بإرادتنا إلى مهمة أسبوعية أو حتى يومية نقوم بأجنَدتِها في مفكراتِنا ونلتزم بأدائها والاستعانة بكل من يحفزنا لتحقيق ذلك إن شاء الله تعالى، ودمتم في صحة وعافية جميعا.
كاتبة وباحثة أكاديمية

بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي