كتاب وأراء

العنصرية والكراهية في تجلياتها الفاقعة

صادقت اللجنة الوزارية للتشريع في الكنيست «الإسرائيلي»، على مشروع قانون (مَنع الأذان) بصيغته المُعَدّلة، والذي يَفرِضُ قيوداً على استخدام مُكبّرات الصوت بالمساجد خلال ساعات النهار، وحظر الأذان عبر مُكبّرات الصوت في ساعات الليل والفجر.
إن إقرار ما تُسمى «اللجنة الوزارية الخاصة بالتشريعات» في حكومة الاحتلال، الصيغة المُعدلة لمشروع (قانون الأذان) يأتي في سياقات تكريس العنصرية السوداء، واعتداء سافر على حرية العبادة، والمس بمشاعر المؤمنين وحرمة المساجد وتقاليدها، خاصة أن الصيغة الجديدة للقانون تستثني استخدام مُكبّرات الصوت في الكُنس اليهودية أيام الجمع دون باقي بيوت العبادة.
إن من يَقف وراء تلك المُمارسات والمساعي لوقف لإطلاق صوت الأذان من المساجد عبر مُكبّرات الصوت، هم أصحاب عقلية الكراهية والعنصرية، التي باتت تتجسد الآن بشكلٍ فاقع وصارخ في سلوك المُجتمع «الإسرائيلي الصهيوني» على أرض فلسطين العربية. تلك العقلية التي تنطلق أيضاً من حواضن الرؤية الصهيونية، ولغة الصلف والغرور. فَكُلِ دولة أو كيان أو أي حركة سياسية تُضفي صفات التميّز، التفوق، الفرادة، الاستثناء، والقداسة الأسطورية على حالها أو شعبها، أو أمتها، أو طائفتها، أو مذهبها... إلخ، يعني، عملياً، أنها قرّرت، عن سابق إصرار وتصميم، «شيطنة» كل «أغيارها»، وشيطنة معتقداتهم، وإهانتها، والمس بها، توطئة لتعبئة وتنظيم وحشد وإعداد ما أمكن من جمهورها وأتباعها، وإقناعهم وانخراطهم فيما تُعِد له ضد الآخرين.
وعليه، فإن المجتمع «الإسرائيلي الصهيوني» يَمتلك الآن تخمة عالية من سمات ومواصفاتٍ بارزة للعنصرية والفاشية، حين يَعتَقِد أفراده أن لليهود حقوقاً إضافية قياساً بالأغيار، الذين يُعتبرون مواطنين من الدرجة الثانية في نظر النخبة الحاخامية ومؤيديها الكثيرين، بما في ذلك المس بمعتقداتهم الروحية.
لقد سَبَقَ وأن مَرَّ على تاريخ البشرية، عقليات مُشابهة في أنظمة، ودول، وكيانات،، كانت ممارساتها كافية لولادة الحركات والدول العنصرية الفاشية بكافة صورها، وتجريم كل من ينتقد ويناهض ما ترتكبه من جرائم حرب موصوفة، وإبادة جماعية ممنهجة، وتطهير عرقي مُخطط، وهو الأمر السائد على كل حال، منذ قيام الكيان الصهيوني على أنقاض الكيان الوطني والقومي للشعب العربي الفلسطيني عام 1948.
إن منع إطلاق صوت الأذان عبر مُكبّرات الصوتِ من المساجد، يؤكد بدلالاته القاطعة أن المُجتمع «الإسرائيلي الصهيوني» باتَ اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى، مُنحازاً بغالبيته لصالح قوى اليمين والتطرف، ومنحازاً لصالح ونهج السياسات الصقرية لعتاة الصهاينة، من عموم الأحزاب والتشكيلات السياسية، الذين حققوا نتائج مُتقدمة في عضوية الكنيست في آخر انتخابات جرت في «إسرائيل»، في أجواء ومناخات التحريض وشعارات التطرف التي أطلقها بنيامين نتانياهو وقوى اليمين واليمين المُتطرف المُختلفة بأسمائها وعناوينها في حينها، ومازالوا أمناء لها.
إن مَنع إطلاق صوت الأذان عبر مُكبّرات الصوت حال إقراره نهائياً، نقطة انعطاف وتحوّل في مسار الأجواء السياسية العامة في «إسرائيل» لصالح التأكيد دون مُنازع على حضور وسطوة اليمين واليمين المتطرف واتساع قاعدته الاجتماعية والسياسية على حساب قاعدة قوى ما يسمى بــ «القوى السلامية» والقوى السياسية والاجتماعية القريبة منها، والتي ترى بقرارات الشرعية الدولية طريقاً للحل والتسوية.
الوقائع تؤكد كل يوم أن حكومة نتانياهو محكومة بسحر التطرف، وبشعارات الديماغوجيا السياسية الشعبوية التي أصَابَت فيها صميم مطالب ومواقف المُتطرفين في المجتمع «الإسرائيلي»، ودغدغت فيها مشاعرهم ومواقفهم تجاه قضايا التسوية السياسية مع الفلسطينيين والعرب، وانساقت مع مواقفهم الغوغائية والبهيمية في تطرفها حيال الشعب الفلسطيني، فبات مشروع (حل الدولتين) المُتوافق عليه أممياً على كف عفريت، وبالتالي فإن مسار عملية التسوية (الغارقة في سباتٍ عميق) مسدود اليوم، أكثر من أي وقتٍ مضى، بانتظار مُعجزة لإنقاذه قبل أن يتهاوى إلى القاع دون قيام.

بقلم : علي بدوان

علي بدوان