كتاب وأراء

سياسة المسؤول لا شخصيته

في مباريات كرة القدم، هناك لاعبون معروفون بالعصبية واثارة الجماهير والاعتراض الدائم على قرارات الحكام. الملفت ان النقاد والمعلقين والمحللين، حين يتناولون سلوك مثل هؤلاء اللاعبين، وبسبب الخوف أو الحرص على مجاملة النادي المنتمي اليه اللاعب، دائما ما يرفقون أو يسبقون كلامهم بعبارات من عينة «لكن هذا اللاعب مهذب جدا خارج الملعب»، فيرد آخر «طبعا دا بره الملعب في منتهى الاحترام».. وكأن الواحد منهم يتحدث عن صديق للمشاهد، بل احيانا اتصور انه يتحدث عن «عريس» يطلب يد ابنة احد المشاهدين.
بينما الحقيقة اننا بصدد تقييم سلوك لاعب في الملعب ليس اكثر. هذا الامر ينطبق في كثير من الاحيان على تقييم المسؤولين،
أحياناً نطالع بينما نقلّب في صحف الصباح أحد الأعمدة أو المقالات وقد تضمّن هجوماً حاداً على أحد المسؤولين وانتقاداً شديداً لأدائه وسياساته، وهذا بطبيعة الحال من شأنه أن يجعل توقعاتنا ترتفع بأن يُكمل الكاتب في الأيام التالية ما بدأ ويمضى في حملة تكشف فساد هذا المسؤول وإهمال مرؤوسيه.. لكن يفاجئنا في اليوم التالي مباشرة وقبل أن يجف حبر المقال الأول أن نقرأ لنفس الكاتب ما يمثل انسحاباً منظماً وتراجعاً ناعماً عن كل ما ذكره في عموده العنيف بالأمس.. هنا يذهب خيال القراء على الفور إلى أن الكاتب قد تلقى إغراء على شكل رشوة أو هدية أسكتته، وما أكثر الوسائل التي تُستخدم لإطعام الفم حتى تنكسر العين.. أو ربما يتصور القراء أن الكاتب تلقى تهديداً صارماً أخافه وجعله يتراجع حتى لا يضع نفسه على خط النار مع من لا يرحمون. لكن الحقيقة أن هناك أسباباً أخرى لا تتعلق بالوعد أو بالوعيد، تكون في أحيان كثيرة سبباً في تبدل المواقف وتحول الكاتب من خصم موضوعي إلى عازف في جوقة المسؤول أو على الأقل ساكت على فساده. من أهم هذه الأسباب أن يتلقى مكالمة شخصية من المسؤول! مجرد مكالمة تليفون لطيفة.. مكالمة تليفون كان السيد المسؤول فيها رقيقاً، ودوداً متبسطاً جعلت الكاتب يخجل من نفسه ويتراجع عن انتقاد المسؤول المهذب، وكأن المشكلة كانت مع هذا المسؤول أنه قليل الأدب وليس أنه فاسد!.. المشكلة ان تداخلا كبيرا بين الشخصي والعام، نقع فيه عن تناول سياسة المسؤول، وفي ما الواجب ان نتحدث عن السياسات والاداء المهني والتصرفات، ننزلق إلى السلوكيات، فان كان الرجل ودودا، أو تبدو عليه مظاهر التقوى، حكمنا بصلاح سياسته، التي قد تكون اوردت الجهة المسؤول عنها موارد التهلكة.
بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى