كتاب وأراء

عشرة أيام هزت العالم

هل كان الناخبون الأميركيون يدرون ماذا يفعلون عندما اختاروا ترامب لرئاسة بلادهم؟
القول الإنجليزي «أولى خطاه على الأرض عدو»، ينطبق تماما على ترامب الذي ما كاد يحط في البيت الأبيض حتى انطلق بسرعة غير متوقعة في اتخاذ القرارات الصادمة. في عشرة أيام هز أميركا والعالم. أثبت أن السياسة غير قابلة للتوقع. لم يتأخر لحظة في تنفيذ وعوده الانتخابية التي لم يكن يصدقها أحد. افتتح عصرا جديدا في الأمن والسياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية. وضع بلاده والبشرية أمام مفترق نظام عالمي جديد. جعل جلوسه في المكتب البيضاوي محطة تاريخية فاصلة. ما يعدنا به وينفذه لا يشبه سقوط جدار برلين بل يشبه لحظة ارتفاعه وبنائه، لا يشبه انتهاء الحرب الباردة بل يشبه لحظات اندلاعها، لا يشبه ما اعتدنا عليه من مسلمات سياسية في العقود الأخيرة بل يشبه نقيضه. اعتاد أي رئيس أميركي بعد انتخابه الالتقاء أولاً برؤساء الدولتين الجارتين كندا والمكسيك، ثم يتوجه إلى حلفائه التاريخيين في أوروبا. ترامب فعل العكس تماما بدأ يومه الأول برفع جدار بين بلاده والمكسيك، وما لبثت أن ارتفعت الجدران تلقائيا مع كندا التي هالها القرارات المتعسفة للرئيس الأميركي الجديد ضد اللاجئين والمهاجرين والزوار الأجانب لاسيما المسلمين منهم. أما جدران الصد مع أوروبا فكانت سبقت تنصيبه عندما أفضى ما في صدره من استخفاف بالوحدة الأوروبية وحلف شمال الأطلسي وإصرار على الشعار الانعزالي «أميركا أولا».
في كل يوم قرار جديد يبعد أميركا عن نفسها ويغير وجهها، من المسارعة إلى تمزيق اتفاق التبادل الحر عبر المحيط الهادي الهادف إلى إقامة توازن مع نفوذ الصين المتنامي، إلى فرض حظر عنصري على اللاجئين السوريين والمهاجرين من سبع دول أخرى ذات غالبية مسلمة. قرار لا يقوض الإرهاب كما يدعي بل يمده بجرعة مقوية ويدفع بالتطرف إلى أعلى مستوياته. قرار لا يحمي أميركا بقدر ما يوجه سهما قاتلا إلى التنوع الحضاري الذي تدعي أنه ميزتها، قرار لا يعزز الحلم الأميركي بل يجعله كابوسا.
في أسبوعة الأول في السلطة كشف بوضوح عناوين استراتيجية «ازرع الفوضى، عمق الانقسامات، وطد سلطتك». في أسبوع أحدث ترامب إعصارا أقلق العالم بنظرته الفوقية إلى الشعوب الأخرى، وصدم أميركا، عندما طرح إعادة النظر في المعايير والمفاهيم التي تسترشد بها منذ عقود. لقد جعل من «النخب» في المؤسسات السياسية والإعلامية في مراكز القرار عدوه الأول إلى جانب الديمقراطيين والنساء والأقليات العرقية والدينية والملونين. لا بل أحيا مجددا أحلام الانفصال في الولايات الأميركية إذ أجازت السلطات في كاليفورنيا الديمقراطية الهوى إطلاق حملة «كاليفورنيا وطنا» التي تطالب باستقلال الولاية بعيدا عن الانعزالية الجديدة التي احتلت واشنطن العاصمة الفيديرالية.
إعصار ترامب لايزال في أيامه الأولى.. لكن ماذا عن الأيام المقبلة؟ ماذا عن الزر النووي الذي صار تحت إمرته؟ من يضمن ألا يلاعبه مثلما يحلو له أن يلاعب مفاتيح الكمبيوتر والهاتف الجوال في يده؟
الأسبوع الفائت في البيت الأبيض لا يبعث على الطمأنينة، ذلك أن القرارات المثيرة وغير المتوقعة، والتصريحات المتهورة، ورفض الاستماع إلى أصحاب الخبرة، والإصرار على التعيينات المثيرة للشكوك في المناصب الأساسية في إدارته، كلها أمور تجعل الأمن العالمي معلقا على كبسة زر في يد عبثية.
أمين قمورية بقلم:

امين قمورية