كتاب وأراء

كفى إبهاراً

منذ تقدمه، داخل حزبه الجمهوري، لنيل بطاقة الترشح للرئاسة الأميركية، يقدم الرئيس دونالد ترامب، فاصلاً من إبهار العالم، بتصريحات وتصرفات أيضاً، لم نشهدها، مع رئيس أميركي من قبل.
ما كنّا نظنه فاصلاً من الإبهار، تحول إلى موجات متلاحقة.. فخلال حملة الانتخابات الرئاسية، أصر المرشح الجمهوري وقتها، على تحويل الحملات الانتخابية، إلى منصات صواريخ، وقواعد لقاذفات لهب شعبوي وعنصري بغيض.. كان أغلب الظن أن تلك الموجة الساخنة، ستبرد رويداً رويداً بعد أن يدخل المكتب البيضاوي، ويصطدم بتلال من التقارير الدبلوماسية والاستخباراتية والأمنية والاقتصادية، وسيل من رؤى المستشارين ومقترحاتهم.. غير أن الرجل وإن بدا عليه التراجع بعض الشيء، على الأقل في اللهجة، كما حدث بالنسبة لكندا والمكسيك، على سبيل المثال، التي تحول الحديث العنيف عنهما، من إلغاء اتفاقيات للتبادل التجاري، وإقامة الجدار الفاصل، إلى ترتيبات لعقد لقاء مع كل من رئيس وزراء كندا، ورئيس المكسيك، لبحث التعاون، إلا أن الرئيس الأميركي الجديد، والحق يقال، لم يتركنا طويلاً دون إبهار، فبعد ساعات من حفل تنصيبه– بغض النظر عن النظرات المتبادلة بينه وبين السيدة الأولى خلال الحفل-، واصل إبهاره الفريد، بل كان كريماً بأن جاء إبهاره هذه المرة، «عالمثالثيا» بامتياز، فلم نسمع مسؤولاً بمكتب رئيس أميركي من قبل يتوعد الإعلام بالمحاسبة، كما قال شون سبايسر، المستشار الإعلامي للرئيس الأميركي.
لم يكن المستشار ليجرؤ على هذا التعبير المعتاد في بلاد العالم الثالث، تعليقاً على صورة المتابعين لحفل التنصيب، والتي أظهرت عددهم بأقل من أعداد متابعي تنصيب سلفه باراك أوباما، لولا أن الرئيس نفسه سبقه بوصف الصورة بأنها مضللة، وهو الذي كان قد اشتبك مع مراسل سي إن إن، في مؤتمر صحفي موجهاً له ولمؤسسته سيلاً من الانتقادات، متهماً إياه بالكذب وواصفاً لها بالفظيعة.. ناهيك عن نعته لموقع إعلامي شهير بأنه «قمامة».
يبدو أن رئيس أميركا الخامس والأربعين، مشغول ومهجوس بعداء الإعلام له، ما يرجح أنه سينفق وقتاً طويلاً هو وإدارته لمواجهته بعنف لم يعتده الأميركيون، ولم تخبره المؤسسات الإعلامية في الدول الديمقراطية.
المشكلة أننا– في بلاد العرب- اعتدنا أن نكون ديمقراطيين جداً، في نقد ومهاجمة الرئيس الأميركي، بمنتهى الحرية، وهو ما يبدو أن الرئيس الأميركي سيحرمنا منه.. كفى إبهاراً يا سيادة الرئيس.

بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى