كتاب وأراء

فضيحة «السيسي» في «مجلس الأمن»

فضيحة «السيسي» في «مجلس الأمن»

بحثت في قاموس اللغة العــــربية فلم أجد كلمة مناسبة سوى «فضيحة» لوصف الموقف المخزي، الذي قام به النظام المصري، بعد تراجعه متقهقــراً عن تقديم مشروع «قرار أممي» يدين الاستيطان الإسرائيلي، كانت القاهرة هي التي اقترحته، وهي التي وزعت المسودة الخاصة به على أعضاء «مجلس الأمن»، وهي التي حددت موعد التصويت عليه!
.. ويمكن القول إنها فضيحة «مجلجلة بجلاجل» نشأت فصولها وبدأت تفاصيلها عندما تقدمــــت مصــر بـ «مشـــروعهــــا» في الثاني والعشرين من الشهر الجاري، لتعود وتسحبه بعد ساعات، وتدفنه في مدافن «المومياوات»، القابعة في دهاليز «الأهرامات»، رضوخاً لرغبات إسرائيل، وانصياعاً للضغوطات التي مارسها «دونالد ترامب»، حيث دارت اتصالات «رفيعة المستوى» بين تل أبيب ونيويورك والقاهرة، تلقى خلالها «السيسي» العديد من المكالمات الهاتفية من الرئيس الأميركي المنتخب، ورئيس الحكومة الإسرائيلية المنتحب!
.. وخضوعاً لتلك الاتصالات، أصدر «الجنرال المصـــري» التوجيهـــات لبعـــثة بلاده في «الأمم المتحدة» بسحب مشروعها الذي يطالب الاحتلال الإسرائيلي بوقف الاستيطان، مما يعكس سياسة «الانبطاح» التي يمارسها «رئيس المؤسسة العسكرية المصرية»!
.. ولم تتوقف فصول «فضيحة السيسي» في «مجلس الأمن» عند هذا الحد، ولكنها اكتملت عندما تحمست للمشروع المؤجل أو المعطل الذي يدين السياسات الاستيطانية الإسرائيلية (4) دول غير عربية، هي: نيوزيلندا وفنزويلا والسنغال وماليزيا، فبادرت إلى تبنيه، وأبلغت مصر أنها إذا لم تسارع في إجراءات الدعوة لإجراء التصويت على المشروع في الثالث والعشرين من ديسمبر الجاري، فإنها تحتفظ بحقها في التحرك الفوري لإجراء عملية «الاقتراع الدولي» بأسرع وقت!
.. ونتيجــة للتخــــاذل المصــــري، تقــــدمت الــــدول الأربـــــع غير العـــربيـــة بمــــشروع القــــرار الداعم للقضية الفلسطينية، وطبعاً لم تكن مصر من بينهم، ليحوز بعد التصويت عليه على أغلبية مطلقة، ساحقة، ماحقة، وذلك بتأييد 14 دولة عضوا بمجلس الأمن، وامتنـــاع عضـــو واحــــد من مجــــموع المجــلس البــــالغ «15» عضوا، هو الولايات المتحدة.
.. ولولا الإحـــــراج لكانت مصـــر هي الدولــــة الوحيدة التي صوّتت ضد القرار، لإرضاء حكومة إسرائيل، لكنها اضطرت اضطراراً للتصويت لصالحه، حفظا لماء الوجه، المهدور أكثر من إهدار «مياه النيل» في ذلك اليوم «المنيل بستين نيلة» على النظام المصري!
.. وأستطيع القول ــ بكل ثقة ــ أن «السيسي»، وأكرر «نظامه السياسي»، لم يكن أميناً على الحقوق الفلسطينية، بعد انقلابه على ثوابت الوطنية المصرية، ومرتكزات القيم العربية، عندما تبنى موقفاً مخزياً لا ينسجم مع مواقف مصر العظيمة، وأخلاقها الكريمة، وقيمها الرفيعة، وقوميتها الكبيرة، فأصبحت «قائدة العروبة» في عهده مجرد دولة «تصوّت» على مشروع يدعم القضية الفلسطينية، وليست تقود الآخرين، وتحث المترددين على التصويت لصالحه!
.. ولعل المخجل أن يكون موقف «نيوزيلندا» البعيدة عن الشرق الأوسط أكثر دعماً لقضية العرب المركزية، من موقف النظام المصري، رغم أنها تبعد آلاف الكيلومترات عن فلسطين، وليس لها تراث أو تاريخ «نيوزيلندي» داعم للقضية الفلسطينية!
.. ولعل الأكثر خجـــلاً أيضاً أن يكون موقف «فنزويلا» أشد حماساً، وأعمق إحساسا، بمأساة فلسطين من «نظام السيسي»، لمجرد أن زعيمها الراحل «هوغو تشافيز» أدرك حقيقة القضية العربية، وعدالة الحقوق الفلسطينية، فآمن بها، مثلما يؤمن بها رئيسها الحالي نيكولاس مادورو.
.. ولعل الأكثر خزياً لنظام «السيسي» أن يكون موقف الإدارة الأميركية أكثر وعياً بعدم قانونية المشــــاريع الاستــــيطانية من موقـــف الإدارة المصرية الحــالية، ولهذا آثرت «الولايات المتحدة» عدم التصويت على مشروع «القرار الأممي» في خطوة نادرة لتمريره، دون أن تضطر لإجهاضه ــ كعادتها ــ من خلال استخدام «حق النقض»، مثلما اعتادت واشنطن على حماية إسرائيل من قرارات «مجلس الأمن» الحاسمة والحازمة عبر استخدامها «الفيتو» لحوالي 30 مرة ضد مشاريع قرارات تتعلق بإسرائيل والفلسطينيين، كما تقول منظمة «سيكيوريتي كاونسل ريبورت».
.. وعندما أذكر كل هذه الوقائع المفجعة، واستعرض هذه المواقف المخجلة، أدعوكم إلى التفريق بين مصر العظيمة، ونظامها الحاكم المتحكم في قرارها السياسي، لأن تضحيات الشعب المصري الشقيق، من أجل القضية الفلسطينية، لا يمكن أن تنسى، ومواقفها تجاه كل إخوانها العرب لا يمكن أن تمحى، ولا يستطيع أحد أن يزايد عليها، أو ينتقص منها، أو يشكك فيها.
.. ولا ننسى أن حب القضية الفلسطينية تشكل في داخلنا من خلال خطوات مصر العظيمة، ومواقفها الحكيمة، الداعمة لقضية فلسطين، بتضحيات شعبها، وزعيمها الراحل «عبدالناصر».
.. وما من شك في أن «السيسي» بموقفه المخزي، لا يمثل إلا نفسه، ولا يعكس سوى توجهات نظامه السياسي، أما مصر فهي أكبر منه، ومنا جميعاً، ومواقفها التاريخية تجاه القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى شهادة أو أي إشادة.
.. وأما نظام «السيسي» ورضوخه للضغوط الإسرائيلية، فهذا أمر يثير في النفوس المرارة، بل يؤدي إلى التهاب المرارة!
لقــــد فضـّل «جنـــرال مصــــر» مصالــحه الشخـــصيـــة على المصالح القومية، متخلياً عن ثوابت مصر الوطنية، بعدما هدّدته إسرائيل بأنها لن تتعاون معه بشأن «الحرب» التي يخوضها في شبه جزيرة سيناء!
.. ولا جدال في أن موقفه المتخاذل لا يليق أن يتبناه نظام يتولى حكم «مصر العظيمة» التي قدمت آلاف الشهداء، دفاعاً عن فلسطين، على مدى العقود الماضية، والعهود السابقة، ودافعت عنها بجيشها، ودفعت رجالها وحلالها من أجل نصرة القضية الفلسطينية، التي تمثل جوهر الصراع، ومصدر الصداع، وأساس الأوجاع على مستوى السياسة الدولية، في منطقة الشرق الأوسط.
.. ولكل هذه التضحيات التاريخية المصرية، فإن سحب مشروع «القرار الأممي» من جانب نظام «السيسي» يؤشر إلى الاستخفاف بتضحيات المصريين، والاستهتار بدماء الشهداء الذين قدموا أرواحهم دفاعاً عن فلسطين.
.. والمؤسف أن تراجع النظام المصري عن «مشروعه» في «مجلس الأمن» بشأن وقف الاستيطان يأتي منسجماً مع جوهر الاستراتيجية الاستيطانية الإسرائيلية، ومتوافقاً بل متفقاً مع خطط «تهويد القدس»، التي ينتهجها «نتانياهو»، من خلال إقامة المزيد من المستـــوطنــات، المتناثــــرة هنـــا وهنــــاك، على أكـــبر مـــساحة ممكـــنة من الأرض، في «الضفة الفلسطينية» المحتلة، حتى تصبح «يهودية» بامتياز، ولا تمت لهويتها العربية بأي صلة.
.. وما من شك في أن نظام «السيسي» بموقفه المخزي لا يقل عن «نتانياهو» الذي يعمل بوتيرة متسارعة لفرض الأمر الواقع، على أرض الواقع، من خلال بناء المستوطنات في مختلف المواقع، لتضييق مجال الخيارات المتاحة لحل القضية الفلسطينية.
.. وسيذكر التاريخ أن «جنرال مصر» أذعن للضغوط الإسرائيلية، ورضخ لرغبات رئيس حكومتها اليمينية، وهذا ليس كلامي شخصياً، ولكنه من صميم تعليقات صحيفة «جوروزاليم بوست» الإسرائيلية وليس صحيفة الوطن القطرية.
بل إن شبكة الإذاعة العبرية الرسمية المعروفة «ريشت بيت» وصفت خطوة «السيسي» التي اتخذهــــا إلى الوراء قبل التصويت على مشروع قرار مجلس الأمن رقم (2334) بأنها أنقذت إسرائيل من ضربة دبلوماسية وسياسية بالغة الخطورة.
في حين شدد «نداف آيال» المعلق في قناة التلفزة العاشرة على أن «السيسي» وفّر لحكومة «نتانياهو» البضاعة التي رفض الرئيس الأميركي «باراك أوباما» توفيرها لإسرائيل، مضيفاً أن رئيس الحكومـــة الإسرائيليـــة نجح في تدشين شبكة علاقات شخصية مع «رئيس مصر» تحقق للدولة العبرية فوائد استراتيجية!
.. وتجسيداً لـ«شهد شــاهد من أهلها» كتب «رافائيل اهون» المحلل السياسي في صحيفة «تايمز اوف إسرائيل» واصفاً موقف مصر بالغريب، لأنها هي التي تقدمت بمشروع إدانة الاستيطان، ثم تراجعت عنه بعدها بوقت قصير، في أغرب مفاجآت «الدبلوماسية المصرية»، التي لم يعد لديها ذرة واحدة من القيم العربية.
.. ولأن قرار «مجلس الأمن رقم 2334 الذي صدر بموافقة (14) دولة أوجع إسرائيل، باعتباره يطالبها بأن توقف فـــوراً وفــي شكل تام جميع الأنشـــطة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
.. ولأنه يعتبر أن المستوطنات الإسرائيلية ليس لها أي أساس قانوني، لأنها تعيق بشكل كبير وخطير فرصة «حل الدولتين» الذي يقضي بإقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل.
.. ولأنه وجــــه صفعـــة على وجه «نتانياهو»، فقد أمر باستدعاء سفيري بلاده في نيوزيلندا والسنغال، احتجاجا على موقفهما الداعم للقضية الفلسطينية، كما أصدر توجيهاته لإلغاء زيارة مرتقبة لوزير الخارجية السنغالي، كان مقررا أن يقوم بها خلال النصف الأول من الشهر المقبل.
.. وهكذا يتصرف رئيس الحكومة الإسرائيلية كزعيم عصابة، فيعلن عدم امتثال حكومته للقرار الدولي، مما يعكس عــــدم التزام ما يسمونها في الغرب «دولة القانون» بكل القوانين الأممية، ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، وهو بهذا الخروج السافر على القانون، لا يختلف في عدوانه على القوانين، عن قائد «شاحنة الموت في برلين»!
.. وفي الوقت الذي شرعت فيه إسرائيل بتطبيق «سياسة الانتقام»، من الدول التي تبنت مشروع القرار الدولي ودفعته إلى التصويت، حيث قامت بإلغاء برامج المساعدات التي تقدمها إلى السنغال، وإلغاء زيارات سفيري السنغال ونيوزيلندا غير المقيمين إلى إسرائيل، نجد «نداف ايال» المعلق في قناة التلفزة العاشرة يطالب قادة إسرائيل وقيادات المستوطنين بتقديم «الشكر الجزيل» الى «الرئيس السيسي»، تقديراً لمساعيه الحثيثة التي بذلها لإنقاذ المشروع الاستيطاني الصهيوني!
.. وبعيـــدا عــــــن حمـــلـــة الامــتنـــــان والعرفــــــان المــــوجــهــــة فـــي إســـرائيــــل الــــى «فخــــامة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي» اعترافاً بمواقفه الداعمة لمشاريع الاستيطان الشيطاني، باعتباره الوكيل الرسمي والحصري والفعلي لسياسات «نتانياهو» في الشرق الأوسط، خلال المرحلة المقبلة، أتشرف بتقديم التهنئة إلى الرئيس الفلسطيني «محمود عباس» رئيس السلطة الوطنية، بمناسبة صدور القرار (2334) لأنه الأول من نوعه الذي يتم تمريره في «مجلس الأمن» منذ عام 2008, دعماً لحقوق الفلسطينيين، وانتصاراً لقضيتـــهم العــــادلــــة ضد مشاريع الاستيطان دون استخدام «الفيتو الأميركي».
.. والتهنئة موصولة إلى الشعب الفلسطيني الشقيق بكل فصائله، وإلى كل أحرار العالم المدافعين عن القضية الفلسطينية.
أحمد علي

أحمد علي