كتاب وأراء

شعار «الليبراليين» العرب

مدهشون مدعو الليبرالية والعلمانية العرب، جدا.. هم اكثر الناس حديثا عن الديمقراطية ووجوب احترام ارادة الشعوب، التي يعبرون عنها، من خلال صناديق الاقتراع، لكنهم وفي نفس الوقت، اكثر اهل الارض انتهاكا لما يروجون له، وتراجعا عما يدعون اليه، وهدما لكل تلك القيم التي يتشدقون بها.
لا يتسع المقام ولا مساحة المقال، لعرض امثلة، شديدة الوضوح، للانقلابات العلمانية والليبرالية على ارادة الشعوب، في العديد من الدول العربية، لكن يمكنك الرجوع إلى الانتخابات الجزائرية، مطلع التسعينيات، ونظيرتها الفلسطينية، في 2006، وشقيقتهما المصرية، في 2013.
احدث الانقلابات العلمانية و«الليبرالية»، تأتينا الآن من المغرب. ولأن المغرب استثنائي في ربيعه وديمقراطيته، كما يحلو للاشقاء المغاربة، ويحلو لنا معهم، ان نصف، فالانقلاب أو محاولة الانقلاب على ارادة الناخب المغربي، هي ايضا استثنائية، لأنها بيضاء لا استخدام فيها لقوة السلاح، ولا استدعاء للجند.
كلمة انقلاب، في توصيف الحالة المغربية ما بعد الانتخابات البرلمانية الاخيرة، ليست من عندي ولا اقتباسا من محلل أو مراقب، وانما هي توصيف رئيس الحكومة المنتهية ولايته، والمكلف بالتشكيل الجديد، عبد الاله بنكيران، للأزمة التي تمر بها عملية تشكيل الحكومة.
فالرجل بعد نحو خمسة واربعين يوما من تكليفه بتشكيل الحكومة، بعد فوز حزبه العدالة والتنمية بالاغلبية، رغم كل محاولات العرقلة، يواجه بعراقيل جديدة، ومحاولات فرض ارادة، وشروط تعجيزية، ممن رفض الشعب المغربي، منحهم ثقته ليقودوا الائتلاف الحكومي.
هذه العراقيل والشروط التعجيزية، ومحاولات ابتزاز صاحب الاغلبية النيابية، أو بالاحرى هذا الانقلاب الناعم الابيض حسب وصف بنكيران والمحللين المغاربة، يتزعمه، حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يصنف في خانة اليمين الليبرالي.
اللافت في الامر، ان الإرادة الشعبية المغربية التي منحت العدالة والتنمية 125 مقعدا لم تمنح هذا الحزب المصنف ليبراليا، الا 37 مقعدا فقط!، ومع ذلك، وقياسا على سوابق في بلدان عربية اخرى، لن يخجل هو، أو غيره من مدعي الليبرالية والعلمانية، من الحديث عن كونهم ممثلين لارادة الجماهير، ودعاة للديمقراطية، ومدافعين عن وجوب احترام نتائجها. بالتأكيد لا يمكن القطع بان العلمانيين ومعهم اليساريين العرب ايضا، لا يؤمنون بالديمقراطية، بشكل كامل، وانهم دائمو الانقلاب عليها، لأن كفرهم بها مرهون فقط بان تكون نتائجها في صالح الإسلاميين. فشعارهم هو الديمقراطية ان احكم انا.
بقلم: محمود عيسى

محمود عيسى