كتاب وأراء

المسألة أبعد من الموصل وحلب وأخطر

الموصل وحلب، من أقدم مدن الشرق، وشكلا في حقبات مختلفة من التاريخ ما يشبه التوأم لما بينهما مشتركات سياسية واختلاطات اجتماعية. والمدينتان تتشابهان في الثقافة والطبائع والخصوصيات والتنوع. معا تصديا للغزاة، ومعا كانتا ركائز اساسية لعهود تاريخية. وشكل كل منهما عمقا تاريخيا لكل من العراق وسوريا ناهيك عن اهميتهما الاستراتيجية لكل من العرب والاتراك والإيرانيين. وإذا كانت الموصل هي المركز الطبيعي للعبور إلى جبال كردستان، ومنها إلى إيران، فإن حلب هي الأقرب إلى البحر المتوسط والأناضول. وعليه، فهما معا المعبر الجاذب بين الشرق والغرب ومن يستولي عليهما لايحدد فقط مستقبل سوريا والعراق بل يصير القوة الوازنة في الشرق الاوسط، فلا غرابة اذن ان تشتد الهجمة عليهما من كل صوب. فحسم المعركتين الدائرتين على ارضهما يتخطّى مصير المدينتين ليترك آثاره ليس على ملامح البلدين بل على ملامح المنطقة برمتها.
وفي حين تتجه الأنظار إلى المعركة شبه المحسومة سلفًا في مدينة الموصل ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، تتأهب حلب لمصيرها بعد سحق احيائها بالبراميل المتفجرة وصواريخ الطائرات. في المدينة العراقية تستحث إيران الخطاب الطائفي لملء الشغور في المدينة بميليشياتها المتعصبة على ان يلي ذلك تغييرات في حدود المحافظات بحيث تتقلص محافظتا نينوى والانبار بعدما يخترقها ممر آمن إيراني من طهران إلى دمشق مرورا بالمفصل الاستراتيجي تلعفر الذي يسابق الحشد الشعبي الاتراك عليه تمهيدا لاعداد مدينة الرقة السورية للمشهد نفسه. وهذا التغير ليس بسيطا ولا يشكل حادثا عابرا، والانكى انه يجري على مرأى من الاميركيين الذين لم يعترضوا وكأنهم يرغبون فعلا في كسر التوازات الداخلية العراقية بما يتيح لمكون عراقي فرض ارادته على مكون عراقي اخر بالقوة والاذلال. وهكذا، بعد معركة الموصل المنطلقة تبعا للاسلوب الإيراني المرضى عنه اميركيا، قد يصير وجود العرب السنة في المعادلة العراقية اشبه بالديكور، ولن يكون ذلك خدمة للشيعة العرب الذين يهمشون بدورهم لمصلحة من والى إيران. هذا يعني ولادة عراق آخر غير الذي كنّا نعرفه.
وفي المدينة السورية يتكرر المشهد العراقي عينه لكن هذه المرة بغطاء روسي له مصالحه الخاصة والاستراتيجيات، لكن نتيجته الوحيدة هو المزيد من الفرز الديموغرافي على اساس طائفي، والذي لاتفيد منه سوى طهران الراغبة فرض ارادة مكون سوري يمثل اقلية سكانية على مكون سوري اخر يمثل الغالبية ضمنا لتكريس هيمنتها على قرار دمشق. هذا يعني ايضا ولادة سوريا اخرى غير التي كنا نعرفها. ولما كان العراق وسوريا معا قلب هذا المشرق، فلا غرابة ايضا ان تكون النيات المبيتة رسم مشرق جديد غير المشرق الذي نعرفه.
الحملة العسكرية هي الجزء الأسهل في ما يتعلق بمهمة استعادة الموصل، ووقف المعارك هو الامر الايسر في حلب، لكن أي انتصار عسكري لايضمن الحفاظ على النسيج الوطني ونزع فتيل الفتنة الطائفية التي تشكل صلب المشكلة في المدينتين أو في البلدين ليس من شأنه ان يؤسس لا لحل ولا لاستقرار بل يمهد لحروب اخرى اشد شراسة، فعندما تصمت المدافع على زغل وحقد تعتمل الضغائن من جديد ومن شأن ذلك ان يفتح ابواب المنطقة على جحيم جديد بفعل التهميش والاقصاء. وفي غياب التوازن الداخلي ومع الاصرار الخارجي على تعميق الفتنة يبدو ان المسألة ليست مصير الموصل وحلب، إنها أبعد وأخطر.
بقلم أمين قمورية

امين قمورية