كتاب وأراء

ما قبل الجزيرة .. وما بعدها

في الأول من نوفمبر من العام «1996» بدأ بث قناة الجزيرة الإخبارية، قبلها لم يكن أمام المواطن العربي الكثير من الخيارات للوقوف على أخبار العالم، وكل ما كان متاحا أمامه وسائل إعلام تعكس وجهات نظر حكومية، وكان راديو «بي بي سي»، هو الوسيلة الوحيدة المتاحة لمعرفة حقائق لاتنقلها عادة وسائل الإعلام الرسمية العربية.
قبل ذلك بنحو «16» عاما، كان قد بدأ بث محطة «سي إن إن»، كأول محطة للبث الإخباري المتواصل، لكنها لم تكن معروفة على مستوى العالم العربي، بسبب عدم القدرة على استقبال إرسالها، من جهة، ولأنها تبث باللغة الانجليزية، من جهة أخرى.
اكتسبت «سي إن إن» شهرتها في العالم العربي، وفي العالم عموما، نتيجة تغطيتها لحرب تحرير الكويت، (17 يناير إلى 28 فبراير 1991)، وفاقت شهرة مراسلها بيتر أرنيت، شهرة القائد العسكري الأميركي البارز الجنرال نورمان شوارزكوف، الذي قاد القوات الاميركية خلال تلك الحرب، ومع ذلك فقد تنبه كثيرون إلى أن عملية التغطية تمت عبر تشكيل وحدات البث المتقدم ليكون الصحفيون قريبين من مواقع المعركة، وهكذا، تحكم القادة العسكريون، في الصور عن طريق تقييد توافر أجهزة البث الفضائي، وقد أثارت تلك الحرب العديد من القضايا الخاصة بالتناول والإدارة الإعلامية للأزمات، ومنها قضية الموضوعية والرقابة الإعلامية ومصداقية وسائل الإعلام، فكشفت هذه الحرب عن زيف الشعار المسمى بالتدفق الحر للأنباء والمعلومات الذي أرست مبادئه الولايات المتحدة.
يوم 13 فبراير 1991 قصفت طائرتان أميركيتان من نوع إف-117 بالقنابل الذكية ملجأ العامرية، أو الملجأ رقم «25»، مما أدى إلى مقتل أكثر من 400 مدني عراقي، بيتر أرنيت كان الوحيد الذي تحرك إلى الموقع بعد قصفه، وقد تحدث عنه في مذكراته قائلا: «حينما تحركت مع المصور فوق حطام المبنى دخلنا الردهة في الطابق العلوي حيث كشفت لنا المصابيح المضيئة عن منظر بشع، كان رجال الإطفاء يزحفون بين الحطام، وكانت الطبقة العازلة قد انفصلت عن الجدران وأسياخ الحديد الخرسانية قد التوت، كان هناك حريق في كومة من الملابس وانزلقت قدماي فوق شيء طري وإذا به جثة متفحمة، ودفعني اثنان من رجال الإطفاء جانبًا، فقد كانا يحملان جثةً أخرى، ولقد سجل شريط الفيديو الذي أرسلناه إلى محطة سي إن إن أكثرَ مناظر الحرب بشاعة.
لذلك تعرض بيتر آرنيت للهجوم من قِبَلِ الحكومةِ الأميركية لأنه قام بعرض مشاهد هذه المذبحة التي حدثت في بغداد والتي راح ضحيتها المئات.
حرب تحرير الكويت كانت ضرورية وحتمية بعد أن استنفد العالم بأسره، جميع الوسائل السياسية، لإخراج العراق من الكويت، وأنا هنا لست بصدد تناول هذه الحرب، بقدر ما أسعى إلى نقل صورة عن المشهد الإعلامي، الذي رأيناه يتبدل جذريا خلال غزو العراق، أو حرب الخليج الثالثة، (19 مارس الى 1 مايو 2003)، بعد أن دخلت قناة الجزيرة المشهد الإعلامي، وكانت قد أكتسبت اهتماما عالميا. قبل ذلك، في أعقاب اعتدءات 11 سبتمبر 2001 عندما كانت القناة الوحيدة التي تغطي حرب أفغانستان على الهواء مباشرة من مكتبها هناك، والذي تعرض للقصف بـ «الخطأ» كما ادعى الأميركيون، لكنني لا أميل إلى تصديق الرواية الأميركية، إذ أنه، بعد أقل من عامين، ( 8 أبريل 2003)، ضرب صاروخ أميركي مكتب قناة الجزيرة في بغداد، مما أسفر عن مقتل المراسل طارق أيوب وإصابة آخر.
تعرضت الجزيره للعديد من الهجمات، من دول عدة، كما تعرض العديد من مراسليها إما للاعتداء أو السجن، كما الحال مع المصور سامي الحاج، أثناء العبور إلى أفغانستان وحبس دون تهمة، ووصف بانه «مقاتل عدو» في معسكر دلتا في خليج غوانتانامو، وخرج من السجن لاحقا مرفوع الرأس بعد أن فشلت الولايات المتحدة في إثبات أي جرم.
في 26 سبتمبر 2005 تم الحكم على مراسل الجزيرة تيسير علوني من قبل المحكمة الإسبانية بالسجن لمدة سبع سنوات، وفي مارس «2011» استشهد رئيس قسم التصوير في قناة الجزيرة علي حسن الجابر في كمين تعرض له فريق القناة في منطقة الهواري جنوب غرب مدينة بنغازي، كما أصيب مراسل الجزيرة ناصر الهدار بجروح جراء إطلاق النار الكثيف عليهم، وتمت عملية الاغتيال نتيجة حملة تحريض غير مسبوقة من جانب النظام الليبي على الجزيرة والعاملين فيها.
مراسل الجزيرة عبد الله الشامي اعتقلته السلطات المصرية بعد أحداث يوليو 2013، وأطلقت سراحه في 17 يونيو 2015 بعد إضرابه عن الطعام لأكثر من 5 أشهر.
وأوقفت السلطات الألمانية الصحفي أحمد منصور الذي يعمل في قناة الجزيرة بناء على مذكرة توقيف مصرية خلال وجوده في مطار «برلين- تيغل» بالعاصمة استعدادا للعودة إلى الدوحة. وطالبت رابطة الصحفيين الألمان السلطات القضائية والحكومة الألمانية بتوضيح الأساس الذي اعتمد لتوقيف منصور. في 22 يونيو أُطلق سراح احمد منصور وغادر ألمانيا إلى الدوحة.
لقد تعرض كثيرون للملاحقة والعنف والسجن عرباً وغير عرب، ومن هؤلاء الصحفي الاسترالي بيتر غريستي العامل في قناة الجزيرة الانجليزية، الذي اعتقل في مصر بتهمة تلفيق تقارير كاذبة والتعاون مع جماعة الإخوان المسلمين. أمضى 400 يوم في الاعتقال، وأطلقت السلطات المصرية سراحه في 17 يونيو 2015.
كان هدف الملاحقات والتضييق إسكات صوت الجزيرة، تارة باعتقال المراسلين وأخرى بسحب تراخيص العمل أو إغلاق المكاتب، لكن ذلك لم ينل من عزمها وبقيت تعبر عن الضمير العربي والعالمي انتصارا للحق أينما كان.
في كل الانتهاكات التي تعرض لها المراسلون والعاملون في الجزيرة، وقفت المحطة إلى جانبهم بقوة وقدمت الدعم والمؤازرة وأفضل القانونيين للدفاع عنهم، كما تولت شؤون أسرهم، ووقفت إلى جانب العاملين لديها في حالات المرض والعجز عن أداء العمل، ولم تبخل بشيء على الإطلاق.
لقد أصبح العمل في الجزيرة مصدر فخر، وبسبب مكانتها ومهنيتها العالية صار الطلب على العاملين فيها كبيرا من المحطات التي تريد منافستها، وللحق فإن أغلبية العاملين في هذه المحطة كانوا مخلصين لها بقوة، وكما أجزلت لهم العطاء، اجزلوا في منحها وقتهم وجهدهم وعرقهم، وتباروا في تقديم أفضل ما لديهم، فكانت النتيجة كما نرى اليوم.
واجهت «الجزيرة» الكثير في سبيل أداء رسالتها، لم تكن مسيرة مفروشة بالورود على الإطلاق، وتقبلت كل ذلك بصدر رحب، إذ أدركت منذ البداية أن تحريك مياه الإعلام الراكدة في العالم العربي لن يمر دون منغصات، وبالفعل تم إغلاق العديد من مكاتبها وإبعاد العديد من مراسليها، لكنها واصلت رسالتها وتحملت تبعات ريادتها لإعلام جديد لم يكن معروفا ولا مرغوبا في العالم العربي.
لقد غير بث الجزيرة عبر الأقمار الصناعية، لجميع أنحاء الوطن العربي والشرق الأوسط، الخريطة التليفزيونية للمنطقة. فقبل وصول الجزيرة، لم يتمكن كثير من المواطنين العرب من مشاهدة قنوات تليفزيون غير القنوات الرسمية في بلدانهم والتي تبث بالدرجة الأولى أخبار النظم الحاكمة بالإضافة إلى خضوعها لرقابة الدولة، وقدمت الجزيرة مستوى من الحرية لم يكن معروفا أبدا، عبر عرض وجهات نظر مثيرة للجدل بشأن العديد من الحكومات.
كانت ردود الفعل الأولى، لـ «المتضررين» من عرض الحقائق، ووجهات النظر المختلفة، شن هجمات لاذعة ضد المحطة، ومنها هجمات دعمتها حكومات ضاقت ذرعا بصوت الحرية الجديد، وعندما أدرك هؤلاء أن زمن «التعتيم» قد ولى، وأن مضايقتها ومحاولة عرقلتها لن يجدي نفعا، أطلقوا محطات لمنافستها، اتسمت بالترويج السطحي أو الابتذال الفج.
لقد بدأت الجزيرة بمبلغ بسيط من المال، وحققت نجاحات باهرة، بفضل رؤية صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي أراد محطة إخبارية مستقلة قادرة على نقل الأحداث بمهنية عالية تباري مهنية المحطات الكبرى، ومما لاشك فيه أن الشيخ حمد بن ثامر آل ثاني، رئيس مجلس الإدارة، استطاع، بفضل عقليته المتفتحة ورصانته ومهنيته العالية، ترجمة أهداف قيادتنا وتحويل هذه المحطة إلى واحدة من كبريات المحطات التليفزيونية على مستوى العالم، وهذه كلمة حق لابد أن تقال، بحق الرجل الذي عجنته التجارب الإعلامية بدءا من عمله في إدارة المطبوعات والنشر، إلى تبوّئه رئاسة مجلس إدارة «الجزيرة».
لم تكن مسألة إطلاق محطة تتسم بالمهنية والحيادية مسألة سهلة أبدا، كانت تشبه السير في حقل ألغام بكل ما للكلمة من معنى، وأعتقد شخصيا أن الشيخ حمد بن ثامر كان رجل المهمة الصعبة عن جدارة إذ عبر بها حقول الألغام وأوصلها إلى بر الأمان بفضل خليط من الخبرة والصبر والأخلاق الطيبة.
سوف تحتفل المحطة بعد غد بالذكرى العشرين لانطلاقتها، وقد سمعنا عن تغيرات جذرية، نأمل أن تساهم في استمرارها رائدة المحطات الإخبارية، عربيا وعالميا، وهي جديرة بذلك، عبر كل ما حققته خلال فترة قياسية، وفي الإعلام العربي يمكن أن نؤرخ لمرحلتين: ما قبل «الجزيرة»، وما بعدها، والمسألة الجوهرية لا تتعلق بالريادة وحدها، فهذه تبقى مجرد تاريخ في نهاية الأمر، وإنما بقدرتها على جذب ملايين المشاهدين في أرجاء العالم، والتعبير عن همومهم وتطلعاتهم، عبر التدفق الحر للأنباء والمعلومات، الذي أرست مبادئه بجدارة، وأثبتت أنها الأكثر احتراما لعقلية المشاهد على المستوى العالمي.
بقلم: عبدالرحمن القحطاني - مساعد رئيس التحرير

عبدالرحمن القحطاني