كتاب وأراء

وزارة حماية المستهلك..

المبادرات التي تقوم بها وزارة الاقتصاد والتجارة جميلة وتساعد السوق على ضبط الأسعار، ولابد من شكر القائمين على ذلك العمل، ولكن لدي عدة تساؤلات أودّ طرحها هنا في مقالي هذا، حتى تكون الصورة لدينا واضحة بشأن الأدوار التي يجب أن تلعبها الوزارات في الاقتصاد الوطني، وحتى لا يختلط الحابل بالنابل ويقوم البعض بأدوار ثانوية وينسى الدور الرئيسي المناط به.
المعروف أن ضبط الأسعار في الأسواق ليس من اختصاص وزارة الاقتصاد، بل يتم ضبطها من خلال آليتين، الأولى هي السياسة المالية والإنفاق العام من قبل وزارة المالية، وهو ما أصبح يحدث الآن بشأن بدء هبوط أسعار الأراضي بسبب ترشيد الإنفاق العام.
أما الآلية الثانية فهي السياسة النقدية التي يطبقها البنك المركزي من أجل التحكم في مستوى السيولة في الدولة، حتى لا تكون هناك مبالغ نقدية أكثر من قيمة السلع والخدمات الموجودة، وبالتالي تكون هناك مزايدة على الأسعار.
ما ذكرته أعلاه هو شأن اقتصادي بحت المفروض أن تفهمه وزارة الاقتصاد والتجارة، ولا داعي لشرحه بالتفصيل لأنه ليس موضوع مقالي هذا، ولكن آلية ضبط الأسعار في الأسواق مفهومة لدى مسؤولي وزارة الاقتصاد، فالمفروض من الوزارة التركيز على اقتصاد الدولة ككل، وهو ما يسمى بالاقتصاد الكلي وليس التركيز على حماية المستهلك فقط، والذي يعتبر جزءا بسيطا جداً من مسؤولية الوزارة، فهي وزارة الاقتصاد والتجارة وليست وزارة حماية المستهلك.
فما الفرق بين الاقتصاد الكلي المنسي من وزارة الاقتصاد وبين حماية المستهلك؟
الاقتصاد الكلي هو التعامل مع حلول تطوير اقتصاد البلد ككتلة واحدة، وسأذكر عنصرين رئيسيين حتى لا أدخل في مصطلحات غير مفهومة:
أولا: البورصة التي بقيت على ما هي عليه سنين طويلة دون أن تعمل وزارة الاقتصاد على زيادة العدد لتساهم في إنعاش الاستثمار الداخلي وتقوية الشركات المحلية حتى تنطلق بعدها للعالمية.
أين هي الوزارة من وضع القوانين المشجعة على إنشاء الشركات والتحول من شركات خاصة إلى شركات عامة؟
لماذا لم يزد عدد الشركات في البورصة منذ أكثر من خمس سنوات؟
لماذا الوزارة نائمة في سبات عميق عن تعزيز أداء البورصة بتسهيل إنشاء شركات جديدة؟
تقرير البنك الدولي الأخير يقول إننا في عام 2016م أصبحنا رقم 109 عالمياً في سهولة بدء النشاط التجاري بعد أن كنّا 103 في عام 2015م، مما يعني أننا نتراجع ولا نتقدّم.
لماذا ساهمت الوزارة في إثارة التخوّف من التحول إلى شركات مساهمة عند الشركات العائلية عندما كانت أحد الأسباب الرئيسية في المشاكل التي حدثت بين شركة المستثمرين القطريين وشركة ازدان ومن يتبعها ولم تستطع حلها حتى الآن؟ بل اضطر الكثير من المساهمين المتضررين إلى اللجوء للقضاء للحصول على حقوقهم، وهذا مؤشر سيّئ جداً يُظهر بوضوح أن قوانين الشركات في وزارة الاقتصاد مجرد حبر على ورق ومسؤولي الوزارة يهتمون بخرفان رمضان أكثر من حفظ حقوق صغار المساهمين في شركات البورصة.
ثانياً: جذب الاستثمارات الدولية إلى السوق المحلي ليس له أي محل من الاهتمام في الوزارة وكأنه مفروض على اقتصادنا أن يستمر في الاعتماد على الإنفاق الحكومي إلى يوم القيامة.
شركتنا المحلية العابرة للقارات OOREDOO والتي نفخر بأنها إحدى الشركات التي تساهم بقوة في اقتصادنا من خلال توظيف آلاف القطريين، وعن طريق تأجير المباني لمكاتبها والمساكن لموظفيها، ودعم الأنشطة المجتمعية وبناء مراكز طبية وكان أصلها شركة انجليزية اسمها كيبل آند وايرلس، تم جذبها للاستثمار في قطاع الاتصالات في سبعينيات القرن الماضي، وبعد أن تم اكتساب الخبرة والمعرفة منها تم تحويلها إلى المؤسسة القطرية للاتصالات السلكية واللاسلكية، ثم إلى كيوتل والآن إلى OOREDOO؟.
أين وزارة الاقتصاد اليوم من هذا النموذج الناجح في جلب الاستثمارات الخارجية بخبراتها ومعرفتها ووضع الخطة الواضحة لنقل هذه الخبرة والمعرفة للسوق المحلي وتحويلها لشركات قطرية رائدة؟ أم أن تنظيم والمشاركة في المعارض الخارجية ومنها معرض اكسبو ميلان الذي صرفنا فيه الملايين من قبل ممثلنا- وزارة الاقتصاد- كان من أجل التقاط الصور التذكارية وفيديوهات سناب شات؟
إذا كان الأمر كذلك فقد شاهدنا صوراً كثيرة لمشاركات الوزير ووفد الوزارة في المنتدى الاقتصادي القطري- اللكسمبورغي والمنتدى الاقتصادي القطري- البلجيكي
والمنتدى الاقتصادي القطري- الألماني، والمنتدى الاقتصادي القطري- البريطاني، والمنتدى الاقتصادي القطري- الفرنسي، والمنتدى الاقتصادي القطري- الكوري، والمنتدى الاقتصادي القطري- الياباني، والمنتدى الاقتصادي القطري- الهندي، والمنتدى الاقتصادي العربي- التركي، والمنتدى الاقتصادي القطري- الأميركي.
والمفارقة أن الوزارة من قام بتنظيم جميع هذه المنتديات (ماعدا التركي) والغريب في الخارج وليس في الدوحة، ولكن لم نشاهد شركة أو مصنعا واحدا جاء للدوحة للاستثمار مثل كيبل آند وايرلس ليتم تحويل المعرفة والخبرة من هذه الشركة الأجنبية إلى شركة محلية، لتعبر بعدها القارات وتدعم الاقتصاد، ولكن شاهدنا شركات أجنبية تجار شنطة يضرون الاقتصاد ولا ينفعونه وشركات أجنبية أخرى تأتي من هذه المنتديات للحصول على عقود البنية التحتية والإنفاق العام ومشاريع 2022 وبعد انتهاء عقودهم.. «دوّر ربعك».
نحن ترتيبنا التاسع على الدول العربية في تدفقات الاستثمارات الأجنبية مع أننا 18 عالمياً في مؤشر التنافسية، عن أي اقتصاد تتكلم الوزارة ونحن لسنا جاذبين للاستثمارات الخارجية؟
نحن نُقدّر كثيراً اللجان المشكلة من أجهزة الدولة المختلفة لدعم مبادرات وزارة الاقتصاد مثل لجنة المناطق اللوجيستية أو لجنة الاستثمارات الرياضي أو غيرها من اللجان، مع أنه من المفروض أن تقوم كل جهة باختصاصها بنفسها، وكذلك نُقدّر دور حماية المستهلك في محاربة الغش التجاري ولكن ليس بالطريقة الحاصلة حالياً من تشهير بالمحلات الصغيرة، وأما الكبيرة فيكتفون بذكر «تم إغلاق إحدى الشركات» وليس كل التجار غشاشين، كما أن التشهير بالتجار والتعامل معهم بطريقة فوقية دون إعطاء أي اعتبار لتاريخ التاجر في اقتصاد البلد والذين منهم من تجاوز نصف القرن، لا يستقيم مع توجّه الدولة في دعم القطاع الخاص والنهوض به ونحن نفترض سوء النية من البداية ودون أن نتأكد ما إذا كانت هذه الأخطاء هي مستوردة أم متعمدة.
بقلم : عبدالرحمن القحطاني

عبدالرحمن القحطاني