كتاب وأراء

تاريخاً وحاضرا.. حلب تُقتل مرتين

كأن الخسائر البشرية وتدمير المؤسسات لا يشبع نهم القتلة، كأن قتل المستقبل لا يرضي غرائز المستبدين، يصرون على محو التاريخ وإزاحة المدائن العامرة من عالمها الحقيقي وتحويلها إلى أرض محروقة أو مدن ملح وعالم آخر بلا جذور وبلا أصل، مدن أخرى لا تشبه ما كان قائماً وتنبعث منها روائح تخدر الأحلام وتنقلها من الحقيقة إلى الوهم.
كما أحرقت في الأمس أسواق بغداد القديمة ودمرت أسواق بيروت، ها هي المصيبة نفسها تحل بالقلب التاريخي لحلب، المدينة العابقة بالروائع والذخائر الإنسانية الطيبة، مدينة الأغاني والموسيقى، مدينة الصناعات البديعة، المدينة التي أجمع الرحالة والمستشرقون على وصفها بأنها الأجمل بناءً والألطف عشرة والأصح مناخاً في السلطنة العثمانية، المدينة الوحيدة التي استعصت على جيوش الصليبيين الذين اندحروا عند تحصيناتها.. هذه المدينة لم يبق منها إلا ظلها وأسواق مهجورة وبيوت متروكة، لغبار الصواريخ وجنونها، لأطفال خائفين، ولأمهات ثكالى أو أرامل، ولركام يفتّش فيه ناجون عن سالمين أو مصابين أو موتى.
حلب مثل بغداد وبيروت كانت أشبه بقطعة مأخوذة من عالم ألف ليلة وليلة، تجمع ما بين الألوان المزركشة والروائح الطيبة، كانت عالماً من العروض اللامتناهية للجمال. وأرض حلب مثلها مثل باقي الأرض السورية.. متحف شواهد وعوالم تحكي قصة حضارة عمرها آلاف السنين في عمق التاريخ البشري منذ عصوره الأولى حتى العصر الحديث، حضارات متعاقبة وهبت المجتمع السوري تنوعه وصاغته على مر الأيام كالفسيفساء.. اليوم يقطع عنق التاريخ في هذه الأماكن السحرية، ويهدد هذا الإرث بالضياع. صدق البعض ادعاءات بائعي الأوهام الدوليين بأن الحل في سوريا لن يكون إلا سياسياً، ولابد من هدنة لتعبيد طريق التسوية، لكن الهدنة لم تكن إلا فاصلاً قصيراً لمواصلة تدمير حلب، لم تكن إلا استراحة محارب لإعادة تذخير السلاح والمدافع وراجمات الموت. الشهباء التي صمدت قروناً ترزح تحت نيران الحثالات والغرباء الذين اجتمعوا من مشارق الأرض ومغاربها لنحرها في مهدها.. روائع الفن الأموي في المدينة وفي أرجاء الوطن مهددة بالخراب.. شواهد الحضارات الإنسانية المختلفة التي مرت على هذه الأرض تحت رحمة اللصوص والبراميل المتفجرة.. شعب المدينة وإرثها وتاريخها الإسلامي والعربي يئنون من وجع الضربات القاسية.. والقصف مستمر لا يرحم لا طفلاً ولا مسناً ولا مأوى ولا داراً.. وكما تنزف دماء الأبرياء ينتهك التراث الإنساني وتدمر معه روح شعب والهوية. مستودعات هائلة لتاريخ المنطقة والبشرية وميراثهما الإنساني ومهد الحضارات الكونية يجري تدميرها بخفة ومن دون رفة جفن، وصوت الإغاثة لا يُسمع. القتلة يمعنون في التنكيل بالبشر ومحو المؤسسات ومع ذلك فإن نهمهم إلى الدم والخراب لا يرتوي، يدمرون أي شيء جامد أو يتحرك وغرائزهم لا تشبع ولا يكتفون. تاريخ سوريا يُدمر مثلما يُدمر مستقبلها. تُدمر حلب وسط صمت القبور ولا تجد من يدافع عنها أو حتى يذرف دمعة عليها، ومثلما تنحر المدينة يتعرض الإنسان فيها إلى أعتى عملية تشويه وانتهاك لإنسانيته، والمؤكد أن حجم الكارثة هائل ولن يُعرف إلا بعد أن تشرق شمس جديدة على سوريا.. لكن حلب كالعنقاء لابد أن تنهض من جديد.
أمين قمورية

امين قمورية