+ A
A -
العرب معهم حق، فلقد سئمنا الحروب، وسئمنا الحديث عن السياسة، مع أنني لا أعرف عن أي حروب يتحدث العرب هل هي تلك التي خاضوها وانتصروا فيها.. وأين هي؟ وهل هي التي أقاموها في مكان اللاحرب، أم تلك التي أعلنوها حربا شعواء على شعوبهم.. ومع ذلك ليس هناك حرب إلا وخرجنا منها بشهادة وفاة.. ما علينا، لنتحدث عن الطبيخ، وما لنا علاقة بشؤون داعش والحشد فهما وجهان لعملة واحدة، والعجب أن رموز من خانوا العراق لم يقرأوا بدر شاكر السياب:
إني لأعجب أن يخون الخائنون
أيخون إنسان بلاده
إن خان معنى أن يكون
فكيف يمكن أن يكون؟
وأيضا ما علينا من المعارضة العراقية وبدر السياب الشاعر العراقي الذي مات عشقا في العراق. لنتحدث عن الطبيخ: فقد كاد يكون مصيري، مصير الفراهيدي الخليل بن أحمد واضع العروض بحور الشعر الستة عشر، فقد كاد رأسي المثقل أن يصطدم بعمود الكهرباء وأنا متجه لسيارتي، مطرقا مفكرا، لولا أن صديقي خليل بن أحمد المترجم في الوطن سابقا اتصل بي قبيل لحظة الاصطدام، فأعادني رنين وأزيز الهاتف إلى وعيي، فقلت الحمد لله، لقد نجوت مما أصاب الفراهيدي، ولكن لو حصل ما حصل له لكانت ميتة تافهة.. فالفراهيدي كان يفكر في مسألة نحوية، أما أنا كنت أفكر؟ كنت أفكر في أمر قد تعتبرونه تافها ولكنه مهم وهو الطبيخ أما لماذا الطبيخ؟ فقد فقدت الملوخية بالدجاج مع قدحة الثوم هيبتها، ولم نعد نشتم رائحتها ونحن عائدون للمنزل، وفقدت البامياء مع الأرز جلالها، والمجدرة مع تقلاية البصل بالزيت، الملفوف، الفاصولياء بأنواعها، قلاية البندورة، كل هذه فقدت طعمها وحتى المستورد من بيتزا وهمبورغر وكنتاكي أيضا لم يعد لها طعم، لماذا؟
حقيقة، لا أدري!!
البعض يفسرون ذلك بفقداننا الذوق والطعم والرائحة، بل وفقداننا الشهية العامة، نجلس على موائد الغداء والعشاء ومن قبل الإفطار السريع غير المحسوب من الوجبات، نجامل زوجاتنا بلذة الطبيخ وجماله وحسن صنعها، ولكن إحساس بعض الزوجات بتغير نمط تناول الوجبة من قبل الزوج يجعلها تتساءل إذا كان طبيخها مازال هو الطريق إلى قلب زوجها أم هناك تحول، وهذه حكاية، ما علينا منها، لكن ما نعانيه فعلا هو فقدان الشهية، ولم يعد لدينا شهية لأي شيء، فلا شهية للسياسة ولا شهية للحرب ولا شهية للسلام، لديّ شهية أن استلقي على شاطئ البحر عاريا، بعد أن تعرينا وسقطت أوراق التوت وافتقدنا شهيتنا لما تفاخرنا به على مر العصور ذكورتنا، وافتتحت شهيتنا للشتيمة، نعم هذه الشهية تدفعني لكي أبحث في القاموس العربي عن كل كلمات الشتائم وبجميع اللهجات، وأضعها في كتاب أقدمه لجامعتنا العريقة لتقرر تدريسه في الجامعات المتخصصة في إعداد قادة المستقبل، فبعد أن رأيت وسمعت وعلمت فقدت الشهية في الغناء للوطن الجميل، وللشعب الذي يريد الحياة، وللقدر الذي يستجيب، وعذرا للبامية، الملوخية والكبسة والمنسف، فمعدتي أيضا محتلة والمحتل «شهية» للشتم!
بقلم : سمير البرغوثي
copy short url   نسخ
31/08/2016
790