كتاب وأراء

العالم و«كورونا».. حتى تكتمل الصورة !

ربما يكون فيروس كورونا هو الأزمة الأكبر والأخطر التي يواجهها العالم أجمع منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، فلا حديث للعالم اليوم إلا حول الكورونا على مختلف الأصعدة وكافة التخصصات وكل المجالات، بين ردود الفعل والقرارات السياسية والحسابات والمخاوف الاقتصادية والآثار الاجتماعية وحتى التجاذبات الدينية المتعلقة به وكل هؤلاء يرقبون ويترقبون الجهود الطبية التي تعمل على مدار الساعة لتقديم المساعدة اللازمة للمصابين به ومحاولات العلماء والمتخصصين داخل المختبرات والمعامل المستمرة على قدم وساق للتوصل إلى تركيبة مصل يمكنه الوقاية من الفيروس أو علاجه.
اخترت ربط الآثار والنتائج بالحرب العالمية الثانية وليس الانفلونزا الإسبانية 1918 أو الآسيوية 1957 أو إنفلونزا الخنازير 2009، ليس بسبب عدد ضحاياها والتي بلغت 17 مليونا من العسكريين وأضعافهم من المدنيين والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال مقارنتها بعدد ضحايا فيروس كورونا على مستوى العالم والمقدر بأقل من 20 ألفًا حتى كتابة هذه السطور ولكن لأنها أرست قواعد نظام عالمي جديد وكانت أبرز معالمه صعود الولايات المتحدة الأميركية كقوة عظمى على المستوى العالمي فهي من حسمت الحرب بتدخلها إلى جانب الحلفاء، ويبدو أن فيروس كورونا سيغير الكثير من الحسابات والقواعد وحتى الأحلاف، فعلى سبيل المثال لا الحصر بدا واضحًا مدى تأثيره على منظومة الاتحاد الأوروبي حيث انكفأت كل دولة على نفسها وأغلقت حدودها، وشعور إيطاليا مثلًا وكأنها قد تم التخلي عنها من قبل الشركاء في الاتحاد بينما هبت الصين لمساعدتها وكأن بكين تحاول تعويض الخسائر الاقتصادية بتحقيق مكاسب سياسية على الساحة الأوروبية، وفي الولايات المتحدة ظهرت جلية الخلافات بين حكام بعض الولايات كولاية نيويورك مع الحكومة الاتحادية في واشنطن، وصلت حد اتهام حاكم الولاية أندرو كومو لها بالإهمال في التعامل مع أزمة تفشي فيروس كورونا والذي وصفه ترامب عدة مرات بالفيروس الصيني، وهو أمر له دلالته، وتأتي المعضلة كون الفيروس يستمر في الانتشار وهو ما يجعل من الصعب إن لم يكن من المستحيل التكهن ومعرفة تداعياته والآثار المترتبة عليه اقتصاديًا ومن ثم سياسيًا، فكما هو ثابت ومعروف أن الاقتصاد والسياسة صنوان لا يفترقان، وستواصل تلك المعطيات في التراكم حتى يتم احتواء الفيروس والحد من انتشاره بكل الطرق والوسائل المتاحة أو التوصل إلى لقاح وعلاج له أو انحساره وتراجعه بعد أن يصل إلى الذروة كما حدث مع الأوبئة المماثلة من قبل، أيهما أقرب.
لا صوت يعلو فوق صوت مكافحة الكورونا، هذا هو حال غالبية دول العالم من شرقه إلى غربه، بين دول تحاول احتواءه وحماية شعوبها، وأنظمة جل اهتمامها منصب على أن تنجو بنفسها ولو على حساب مواطنيها وخاصة من الطبقات البسيطة والفقيرة، وكشف بلا أي مواربة هشاشة التدابير والتجهيزات الدولية لمجابهة جائحة مثل فيروس كورونا الذي ورغم كل الرعب الذي استشرى حول العالم بسببه فلا يزال بالإمكان السيطرة عليه، فهو ليس بالمرض الفتاك الذي لا شفاء منه وإن كان يحتاج إلى العناية الطبية والكثير من المتابعة والإجراءات الاحترازية. نعم لقد مر الكوكب بالكثير من الأوبئة ونجا منها واستمرت دورة الحياة ولكن الاختلاف هذه المرة هو أن العالم أمام اختبار جدي أظهره بمظهر العاجز وغير المستعد رغم التقدم والتطور في كافة المجالات ومناحي الحياة لدرجة خيل فيها أن لا شيء قادر على تهديد هذا التقدم ومجابهة هذا التطور، ونسفت جائحة كورونا كل تلك اليقينيات الزائفة في شهور قلائل وجعلت العالم ينقلب رأسًا على عقب في سبيل البحث عن سبل الخروج من هذا المأزق وحتى الوصول لتلك النقطة، فالشيء المؤكد هو أن العالم بعد كورونا لن يكون أبدًا كما كان قبله.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري