كتاب وأراء

تأملات فـي عـزلـة الكـورونـا

- ربما من المرات النادرة التي تشعر فيها الحيوانات التي تعيش في الغابات القريبة من المدن بهذا الأمان الاستثنائي لها: شوارع المدن القريبة فارغة تماما، لا أصوات سيارات، ولا رائحة وقود قاتلة، لا ملايين البشر بخطواتهم المتعالية، لا ضجيج، لا خشية من سلاح يوجهه بشري نحو حيوان بقصد اصطياده للأكل أو للتدجين أو لمجرد الهواية والتسلية، لا متطفلين بعدساتهم المقربة والمبعدة، لا أحد أبدا سوى الفراغ والهدوء الذي يذكر بالعصور الأولى لولا أنهما، الفراغ والهدوء، حاليا في المدن المشيدة لبشر أخفاهم الخوف والرعب داخلها.
- ربما من أكثر الصور تعبيرا عما فعله النظام العالمي الذي دمر الكوكب الأرضي بأسلحته وحروبه، وخرب الطبيعة والغطاء الأرضي والتوازن البيئي نتيجة جبروته وتنمره وتعاليه على باقي مخلوقات الله، هي الصورالملتقطة للحيوانات وهي تتجول في هدوء وطمأنينة في المدن الفارغة، والتي تعادل في رمزيتها صور الحيوانات المرتعبة التي انتشرت أثناء الحرائق الأخيرة في غابات الأمازون وأستراليا! فمتى سنقتنع أن الحيوانات هي شركاء البشر على كوكب الأرض، بل إن وجودهم في الكوكب سابق لوجود البشر، ومع ذلك يتصرف البشري كما لو أنه مالك الكوكب، يتصرف باستعلاء مرعب على باقي المخلوقات، وباستهانة مع بنية كوكب الأرض وبدأت نتائجها الكارثية تظهر يوضوح، ويدفع ثمنها جميع المخلوقات بمن فيهم البشر أنفسهم، أو ربما أكثر من يدفع الثمن هم نحن البشر، الذين نسير بأقدامنا وبما صنعته أيدينا نحو الهاوية، تاركين الأرض لمن يستحقها، سيرثها الطيبون والخيرون، الأقوياء لعيشهم لا للسيطرة والتسلط والتملك.
- يتشارك البشر حاليا في كل العالم، وربما للمرة الأولى في التاريخ الحديث، سلوكا واحدا، هو العزلة والابتعاد عن الآخرين، حتى عن أقرب الناس إليهم، مر عيد الأم قبل أيام قليلة، تحدث كثر أنهم اكتفوا بتهنئة والداتهم افتراضيا، حتى العائلات التي تعيش متقاربة في مدينة واحدة: (نحن السوريين نفعل هذا منذ سنوات عدة، لم ألتق أنا وأمي أو أنا وابنتي في عيد الأم منذ عام 2010، ومثلي ملايين السوريين طبعا)، يتشارك البشر عزلتهم كأفراد في البيت الواحد وكجيران في الحي الواحد وكسكان مدينة واحدة وكأبناء بلد واحد، كما لو أن لكل دولة بوابة كبيرة محكمة تم إغلاقها على من فيها، لا يخرج منها أحد ولا يدخل إليها أحد.
- كنت أفكر بغيوم السماء وسحابها، أتخيل أن للغيم حواس كما هي حواس الكائنات الحية، كم سيكون الغيم ممتنا لمن جعل الهواء نظيفا هذه الفترة، حيث تخلو السماء من الطائرات ومما تسببه من تلوث، سوف تخزن الغيوم ماءً نظيفا تسقي به التربة الملوثة بالهرمونات والكيميائيات ومخلفات الحروب والأسلحة، علَّ المطر النظيف يساعد قليلا في تخفيف تلوث التربة! هل كانت الطيور أيضا تحلم أن تحلق أعلى مما تفعل حاليا لكنها كانت تخاف من الأجسام المعدنية الضخمة التي تقتحم السماء؟! هل ستحلق عاليا هذه الفترة، ربما، ففراغ السماء ملك لها وحدها حاليا بعد أن توقفت حركة الطيران في أغلب سماوات العالم وهو ما لم يحدث منذ زمن طويل جدا.
- الله سبحانه وتعالى وحده من يعلم متى سينتهي كل هذا! ماذا يمكن للبشر أن يفعلوا في عزلة كهذه؟ّ! ليس سهلا التفكير في هذا الأمر، فأغلبنا فقد التركيز بسبب الصدمة والذهول والخوف، ربما هي فرصة لإعادة ترتيب أولويات الحياة لدى كل منا، ربما فرصة ليهدأ إيقاع حياتنا قليلا، إذ فجأة أصبحت حياتنا تمر كلمح البصر، ربما هي أيضا فرصة للتفكير في كل ما حصل لبلادنا، نحن الذين نعيش في أماكن ملتهبة سياسيا وعسكريا ومنكوبة اقتصاديا واجتماعيا، ربما أيضا تساعدنا العزلة على إعادة صياغة تفاصيل علاقاتنا مع اختلافات الحياة ومع المختلفين عنا، إذ أننا جميعا اليوم نتشارك المصير نفسه والسلوك نفسه والخوف نفسه، رغم أن الموت هو المصير المشترك بين جميع الكائنات الحية إلا أنه اليوم بات الجميع يرونه ويطلقون عليه اسما محددا ومعرفا بعد أن كان اسمه مجردا وماهيته غير محددة .. رغم كل ما سبق ما زال البشر يتنمرون حتى في قلب الكارثة !.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران