كتاب وأراء

ستبقى سيرته العطرة.. ومسيرته العاطرة.. تعطر ذاكرتنا وذكرياتنا حتى «نصايف الليل»

.. ورحل «الشيخ المحرقي».. «ولهان ومسير»

.. ورحل «الشيخ المحرقي».. «ولهان ومسير»

أحمد علي
بعيدا عن الأزمة الخليجية، وانعكاساتها السلبية على العلاقات الاجتماعية، والروابط الأسرية، بين شعوب دول «مجلس التعاون» الخليجي، لا أظن أن مواطنا قطريا واحدا، لم يحزن على رحيل الشيخ عيسى بن راشد بن عبدالله آل خليفة، ذلك الرمز الرياضي الكبير، والشاعر البحريني القدير، الذي اتسمت شخصيته بالفطرية والإنسانية، وامتازت «سوالفه» بالبساطة والعفوية، وتميزت أشعاره بالجزالة والتلقائية في التعبير.
.. ولعل السر، الكامن في ذلك التقدير، الذي حظي به الشيخ الراحل - رحمه الله - في قطر، عند الكبير والصغير، أنه جسد في مواقفه، شخصية الإنسان البحريني الطيب، المتواضع، المتسامح، المحب للآخر.
.. وأعتقد جازما وليس زاعما، أننا جميعا في قطر نتفق على محبته، لدرجة أننا شعرنا بالقلق على صحته، عندما كان «مب صويحي»، على مدى الشهور الماضية، وكان يعاني من وعكة صحية، ولهذا نشعر بالحزن على رحيله.
.. وباعتباري، واحدا من آلاف القطريين، الذين أحزنهم رحيل الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة، أتقدم بخالص العزاء وعظيم المواساة إلى أسرته الكريمة، مبتهلا إلى الله عز وجل أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، بعدما صارع المرض حتى الرمق الأخير.
.. وأقولها حتى السطر الأخير، أنني أحببته كشاعر كـــــبير، وأحببته كرمز رياضي قدير، وأحببته كشيخ بحريني أصيل، وأحببته كمواطن «محرقي» نبيل.
ولا غرابة في ذلك، فقد كان «أبوعبدالله» نبيلا في أخلاقه، متميزا في حضوره، ممتعا في حديثه، لدرجة أنك لا تجد أحدا في المنطقة، لا يهوى سماع أحاديثه الشيقة، وطريقة سرده المشوقة.
.. وفي خضم ذلك التشويق، المتجسد في أسلوبه الرشيق، وأدائه العريق، فقد عرفته عن قرب، منذ أكثر من 35 عاما، عندما كنت محررا رياضيا، والتقيت به في «دورات الخليج»، وحاورته حول شؤون وشجون الرياضة الخليجية.
.. وعندما تكون حاضرا في حضـــوره، تشعــر بالحنـــين إلى الـــماضي، حـــيث «تطرى عليك سوالف لول» تلقائيا، كما يقول صديقي الشاعر مرزوق بشير في أغنيته الشهيرة، ويصبح حاضرك ماضيا معه، فتمضي برفقته، إلى أزقة «المحرق» الضيقة، وطرقاتها الملتوية، و«سكيكها» المتعرجة، لتستنشق عبق «فرجانها» العتيقة!
.. ويا لروعة، ذلك «الحضور المحرقي» المعتق، في حضرة ذلك الإنسان الفنان، الشاعر الرياضي المتحضر، الذي يقودك إلى البهجة، بلهجته «المحرقية» المميزة، وينقلك بمفرداتها، إلى أجواء وأرجاء المحرق القديمة، حيث ولد هناك عام 1939.
هناك، حيث مسقط رأسه، وموطن طفولته، ومركز ذكرياته ومنبع قصائده، ومصدر إبداعه الشعري.
هناك، حيث البحر يحيط بمدينته، التي أحبها من مختلف الجهات، وحيث يتفوق الشاعر الراحل، بلهجته الفريدة، في طريقة نطقها، على سائر اللهجات!
هناك، حيث يعكس الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة، في شخصيته، النموذج الأمثل والأرقى والأنقى للشخصية البحرينية الأصيلة، ويقدم صورة واقعية براقة للمواطن البحريني، الذي لم تغيره تقلبات السياسة، ولا ضغوط الساسة.
هناك، حيث أبدع «شيخ القافية» البحرينية الرائعة، ومهندس الكلمة المبدعة، كلماته التي تسكن الوجدان، بما حملت في مضمونها من مشاعر الإنسان، وبما ورد في قوافيها من سحر الأوزان، وروعة البيان، وقوة البنيان، وحلاوة اللسان.
هناك، حيث استطاع الشاعر الراحل، من خلال قصائده غير الراحلة، أن يسجل الحياة الاجتماعية، لأهلنا في البحرين، وتحديدا في مدينة المحرق، بكل تفاصيلها الدقيقة.
هناك، حيث يلتقي في قصائده «القيظ» مع الشتاء!
.. ويلتقي سعف النخيل، مع الأصداف المترامية، على سواحل المدينة، التي نشأ وتربى وترعرع وأبدع فيها.
.. وتلتقي أبيات الشعر، مع تباشير «البسر»!
.. ويلتقي «المشموم»، مع «البسايل»، المنسدلة على ظهور «بنات الفريج»!
هناك في المحرق، أو هنا في الدوحة، وفي كل مدينة خليجية، ستظل قصائد الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة، حاضرة في قلوب محبيه، حتى «نصايف الليل»!
.. ولا عجب في ذلك، فقد كان الشاعر الراحل، من خلال شخصيته الشاعرية، بمثابة «ديوان شعر» لا يتكرر في تاريخ البحرين، ولا ينسى في تاريخ مدينته المحرق، وأزقتها و«سكيكها» الضيقة، حيث ولدت قوافيه الشعرية، المفعمة بطيبة أهل البحرين، وتواضع ناس البحرين، وبساطة أهلنا البسطاء الأعزاء في البحرين، الذين أرسل لهم مني سلاما من الدوحة، لأنهم سيظلون دوما «ربعي الطيبين».
.. وستبقى محبتنا لهـــــم، رغــــم مـــرارة الأزمـــة الخليجـــية، تذكــــــرنا بهم، أبيـــات الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة، التي يقول فيها:
«مرار خلاني الدهر أمر مرار، على عشير ما وفى».
«مرار، أدري كل شيء يروح ما يرد».
«بس قلبي يا خذني غصب، صوب الذي يود».
«أمر على بابه بولع، وأروح وأرد».
«من عقب ما ضاع العمر، شيفيد يا ريت».
«كل ما غفل قلبي وسلى، طروا ورديت».
«لا وقت يناولني الطلب، ولا أنا مليت».
.. وبعيدا عن الملل، أو الكلل، سنبقى في قطر، نتمسك بخيوط الأمل، لأن محبتنا الصادقة، للشيخ الراحل عيسى بن راشد بن عبدالله آل خليفة، لا تتعلق بالسياسة وألاعيبها، ولا بالرياضة وملاعبها، ولا بالقصائد وقوافيها، بل ترتبط ارتباطا وثيقا، بشخصية هذا الشيخ الجليل، ومعدنه الأصيل، وكلامه الجميل، وسلوكه النبيل.
فنحن نحبه، لأنه يحبنا.
نحبه، لأنه لا يحمل الكراهية في قلبه.
نحبه لأنه واقف على بابنا «ولهان ومسير».
نحبه، لأنه حكيم الأقوال، حليم الأفعال، نادر الانفعال، واسع الأفق، عالي الآفاق، مرهف الإحساس، محب لكل الناس، داخل البحرين وخارجها.
.. ولعل ما يميزه، أنه لم يحرق نفسه، في أتون الأزمة الخليجية، كما فعل غيره، من شعراء القصور، الذين ساهموا في هدم الجسور، حيث لم يكتب قصيدة واحدة مسيئة ضد قطر.
.. ولم ينظم بيتا شعريا، ينتقص فيه من قيمة القطريين ورموزهم.
بل ظل وفيا لعلاقاته الإنسانية، وظل مخلصا لموهبته الشعرية، مؤكدا أنه سيد القافية الشاعرية الشعبية، المعطرة بعبق «في الضحى».
.. وهو الذي جعل القصيدة الغنائية، تفوح مها رائحة «المشموم»، دون أن يحقنها بجرعات من السموم!
.. ولا ننسى في قائمة إبداعات شاعرنا الراحل، المحب لدولتنا قطر، المحبوب في مختلف أوساط القطريين، أنه صاحب أغنية «واقف على بابكم ولهان ومسير»، التي أبدعها بصوته المبدع القطري الراحل فرج عبدالكريم، ولحنها بعبقريته الموسيقية الاستثنائية، الموسيقار القطري الراحل عبدالعزيز ناصر، رحمهم الله جميعا.
.. وها هو الشاعر المحرقي المحبـــــــوب، يرحل عن عالمــــنا، وهــــو «ولهان ومسير»، بيـــــنما الأزمة الخليجية المفتعلة، تراوح في مكانها، تقترب من دخول عامها الرابع بلا حل.
.. ومع رحيل «شاعر الإنسانية» الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة، ها هي أجواء المنطقة، تفتقد المشاعر الأخوية، بعدما أحاطت بها المؤامرات والإشاعات وشحنات الكراهية.
لقد رحل «الشيخ المحرقي»، بينما العلاقات القطرية البحرينية، لا تسر صديقا ولا عدوا، في إطارها الرسمي، في حين يفترض، أن تكون في أزهى مراحلها الأخوية.
.. ورغم ذلك، جــــاءت برقية التعزيــــة، الـــتي بعـــثها حـــضرة صاحــب الســــمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، إلى أسرة المغفور له، الشيخ عيسى بن راشد بن عبدالله آل خليفة، لتؤكد فيما تؤكد، خصوصية العلاقة، بين الشعبين الشقيقين في قطر والبحرين.
رحل الشاعر البحريني الكبير «أبوعبدالله» عن عالمنا، دون أن نلتقي به في الدوحة، رغم أنه «واعدني الصبح في سوق واقف»!
«ووقفت أنطر مرته، ومن وقتها أنا خايف»!
«الكل من حولي يمر، ولوقفتي شايف»!
رحل ذلك الرمز الرياضي الخليجي الكبير، وهو هادئ البال، بعدما تحقق حلمه، الذي كان ضربا من الخيال، إثر فوز منتخب بلاده، ببطولة الخليج الأخيرة لكرة القدم، في نسختها الرابعة والعشرين، التي أقيمت بنجاح في «دوحة الجميع».
.. وجاء الفوز البحريني بالبطولة، بعد سنوات طويلة من الحرمان، لم ينجح خلالها منتخب البحرين، في الفوز بلقبها، منذ انطلاق دورتها الأولى، في المنامة عام 1970، رغم أن الشيخ عيسى بن راشد، كان واحدا من صناع «دورة الخليج» ومؤسسيها، الذين ساهموا في إطلاق مبارياتها.
.. وحتى قبل أيام من انطلاق بطولة «خليجي 24» في الدوحة، كان الشيخ الراحل «بوعبدالله»، يعقتد أن منتخب بلاده يحتاج إلى «دنبوشه»، يقوم بإعدادها «ساحر افريقي»، ليطرد الأرواح الشريرة، على إيقاعات «الزيران»، ليضمن الفوز بالبطولة الخليجية!
.. وكان لسان حاله يقول، على غرار كلمات أغنيته الشهيرة «ولهان يا محرق»، قبل افتتاح بطولة الخليج الأخيرة:
«ولهان يا الدورة، واقف في الملعب، محدن سمح لي أفوز، بالبطولة ولا مرة، يا خليجي، إشدعوة»!
لكن نجوم الجيل الجديد، في المنتخب البحريني المتطور، صنعوا الإنجاز الخليجي الأكبر، وفازوا ببطولة الخليج لأول مرة.
.. وإذا كان هناك، من أسعده ذلك الفوز «الأسطوري» المستحق، فهو «الشيخ المحرقي» الراحل، الذي انتظر تحقيقه قرابة 50 عاما من عمره.
.. وما من شك، في أن الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة، كان في أمس الحاجة، كسائر البحرينيين، لتحقيق البطولة الخليجية، انطلاقا من حاجة البحرين، إلى انتصار وطني جامع، يجمع مكونات «المملكة» تحت رايتهم الوطنية.
.. وتحت تلك الراية البحرينية، تحول المنتخب البحريني، في بطولة الخليج الرابعة والعشرين، إلى «لؤلؤة الدورة»، ولا أقصد «دوار اللؤلؤة»!
.. ويمثل منتخب البحرين، في تكوينه ومكوناته، انتصارا لإرادة التعايش على «التهاوش»، ويبدو واضحا أن إنجازهم الخليجي، شارك في إنجازه جميع أطياف المجتمع البحريني، حيث تجد حارسهم المتألق «سيد محمد جعفر» يدافع عن مرماه ببسالة، إلى جانب مهاجمهم المهاري محمد الرميحي، الذي أحرز هدف الفوز في المباراة النهائية، في مرمى السعودية.
إضافة إلى لاعبهم سيد مهدي باقر، الذي تكامل في أدائه مع زميله راشد الحوطي.
كل هؤلاء جميعا، ذابوا تحت عوالم ومعالهم علمهم الواحد، الذي تغنى له شاعرهم رقيق المشاعر.
.. وأقصد، الشيخ الراحل الشاعر عيسى بن راشد آل خليفة الذي ظلت البحرين دوما، محفوظة في قلبه، ومزروعة في وسط العين.
.. ولا أنسى في أعقاب الإنجاز البحريني الكبير، الذي تحقق في الدوحة، المكالمة الهاتفية الأخوية، التي دارت بين سمو الشيخ جاسم بن حمد آل ثاني الممثل الشخصي للأمير، وسعادة الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة، التي حملت في مضمونها كل معاني الأخوة الخليجية، وعمق الروابط الوثيقة، التي تجمع الشعبين الشقيقين القطري والبحريني.
.. وخلالها، قدم «شيخ الشباب» سمو الشيخ جاسم بن حمد بن خليـــــفة آل ثاني، التهـــــــنـئة إلــــى «شيخ البطولات الخليجية»، سعادة الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة بالفوز المستحق، مؤكدا له، أنه يحظى بمكانة خاصة، في قلوب القطريين.
.. وينتمي الشيخ الراحل، إلى جيل القادة الرياضيين الرواد، أولئك الأفذاذ، الذين تركوا بصماتهم على الحركة الرياضية في بلدانهم، أذكر منهم على سبيل المثال، سمو الشيخ عبدالله بن خليفة بن حمد آل ثاني رئيس اللجنة الأولمبية القطرية الأسبق، والأمير الراحل فيصل بن فهد بن عبدالعزيز آل سعود، والشيخ الشهيد فهد الأحمد الصباح، حيث ساهموا بجهدهم الإداري، وحضورهم القيادي، في وضع الأسس، والقواعد الكفيلة، بتطوير المسيرة الرياضية في أوطانهم.
.. ولو عدنـــــــا إلى المسيــــرة الشـــعرية، ستــــبقى كلـــمات الشــــاعر الراحــــل الشــــيــخ عيسى بن راشد آل خليفة، ترقص على إيقاع الفرح والمرح، الذي تنشره في نفوس مستمعيها، وهي تفتح ذراعيها للأمل والبهجة والسعادة، التي نفتقدها بعد رحيله.
لقد رحل الشيخ عيسى بن راشد بن عبدالله آل خليفة عن عالمنا «بسكات»، بعدما ملأت قصائده وأشعاره وأغنياته حياتنا بهجة وسرورا.
رحل شاعرنا «المحرقي» الكبير، رقيق المشاعر، «بسكات»، وسنبقى في خضم الأزمة الخليجية المستمرة، نمر صوب «أبياته» الشعرية الشاعرية «بسكات»!
.. وسنظل نتساءل بلسانه، وبلهجته «المحرقية»:
«شنسوي في حبنا لكم، سنين بسكات».
«لي زاد شوقنا لشوفكم، لي من طريتوا».
«مرينا صوب ابيتكم في الليل بسكات».
«ولولا الحيا من أهلكم، يا حبابنا نعلن».
«ونسمع اللي غشكم، جذب عليكم».
«البيت هالي ضمكم، ورباكم صغار».
«ربينا وسطه بينكم، بس الزمن دار».
«فرقنا، بس حبنا لكم باقي».
... وستظل المحبة القطرية - البحرينية باقية، ومتجذرة، في أوساط الشعبين الشقيقين في قطر والبحرين على مر الأيام وطول السنين.

أحمد علي