كتاب وأراء

مــقــتــطــفــــات صــحــفــيـــــة

{ حاولت جاهداً مرّات كثيرة، أن أوقف هذا الرقيب اللغوي الذي عشش في دماغي، ولكن – أعترف لكم – دون جدوى، ولذا استسلمت لما كان في الأصل خياراً، ثم غلبني، وصار كأنه فرض علي من قوة لا أستطيع مقاومتها، وتناسيت الاستمتاع بالقراءة دون أن يسبقني، وماذا أفعل؟ أقرأ فأجد من يهيج هذا الرقيب، كالذي كان في الحج، وقد اشتهر عنه أنه يؤلف «النكت» عن غباء أهل إحدى المدن، وراح يدعو ربه أن يغفر له، ويعد بألا يعود إلى أفعاله السابقة، فربت أحد على كتفه، والتفت إليه فعرف – حين تكلم الرجل – أنه من أهل تلك المدينة، وسأله ذلك الرجل: لو سمحت، كيف هو اتجاه القبلة هنا؟ فرفع الحاج يديه إلى السماء وقال: أرأيت يا ربي أنني كنت على حق؟

{ الأمر الآخر الذي أود التذكير به أنني أعتب على الكبار والمخضرمين أكثر مما أعتب على الصغار والناشئة والمبتدئين «على قدر العلم يكون العتاب» ولأن هؤلاء قدوة لأولئك، فماذا أفعل عندما أجد كاتباً يزين اسمه باللقب السحري «دكتور» ويكتب «إنشاد الوحدة الخليجية»؟ أعرف أن الإنشاد مثل الغناء، فهل يعني أن «ننشد» لهذه الوحدة التي نتمناها وعلقنا عليها الآمال؟ لأن «الإنشاد» مصدر من الفعل «أنشد» وإذا به يعني التفتيش عن هذه الوحدة من فعل «نشد» بثلاث فتحات، والمصدر منه نشدان (بكسر النون) ولعله قصد «تشييد» الله أعلم. ولم أستغرب هذا ممن يقول «وهذا ليس من سابع المستحيلات» والتعبير خطأ، ونقول «رابع المستحيلات» لأنها عند العرب ثلاثة «الغول والعنقاء والخل الوفي» فكيف صارت عند هذا «الدكتور» سبعة؟

{ وهذا كاتب احتفوا به كأنه العقاد يكتب منتقداً «إن الفن ليس حكراً على خصور الراقصات وحنجرات المطربين والمطربات» ونتفق معه كلنا، ونوافقه فيما ذهب إليه، والخصور جمع خصر وهو وسط الإنسان، ولذلك حين يقول العامة عمّن ترقص «تهزّ وسطها» لا يجانبهم الصواب، ولا يبتعدون عن الفصحى، أما «الحنجرات» التي أثبتها فهي جمع حنجرة (كما يظن) وهي العضو المسؤول عن إصدار الأصوات، ولكنها تجمع على «حناجر» ولم ترد في أي معجم أو كتاب بهذا الجمع «حنجرات» وبالمناسبة، يشيع بين الناس – حتى بين المتعلمين وأشباه المثقفين – أنها حُنجرة (بضم الحاء) وهذا خطأ، لأنها حَنجرة بفتح الحاء.

{ وهذا كاتب صحفي يجر وراءه خبرة أكثر من نصف قرن في عالم الصحافة يكتب عن الشاعر اللبناني سعيد عقل فيقول إنه عاش 104 سنوات، وهذا غير صحيح، فقد عاش سعيد عقل قرناً وسنتين بين عام 1912 وعام 2014، وكان عليه أن يدقق، لكن الخطأ النحوي اللغوي جاء في قوله «لم يغبطه أي ناقد حقه» وفي هذا دليل على أن معجمه اللغوي والتراثي محدود جداً، فقد كان الصحيح «لم يغمطه أي ناقد حقه» إنه تغيير حرف فقط، ولكنها العربية الدقيقة دقة مذهلة، بحيث يتغير المعنى بتغيير حركة الحرف، فكيف باستبدال حرف بآخر؟

لنبحث أولاً عن معنى الفعلين «غبط وغمط» والمصدر من كل منهما يكون بتسكين الحرف الثاني «الغبْط والغمْط» أما فعل غبط فيعني أن تتمنى نعمة عند آخر على ألا تزول عنه، وهذا هو الفرق بينه وبين الحسد، فهذا يعني أن تتمنى النعمة على أن تزول عن الآخر، والحسد خلق مذموم، لذا تقول لأخيك: أغبطك على صبرك وجلدك، أي تتمنى أن يكون لك مثلهما، أما: أحسدك فتعني: أتمناهما على أن يزولا عنك.

أما غمَط فتعني احتقر واستصغر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبْر» فقال رجل: يا رسول اله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله جميل يحب الجمال، الكبْر بطَر الحق وغمْط الناس». وغمِط (بكسر الميم) النعمة والعافية أي لم يشكرها، وغمط الحق أي جحده واستنكره، وغمط فلان فلاناً حقه: أنكره. ونعود إلى قول الكاتب لنرى أنه قصد أن أي ناقد لم ينكر على سعيد عقل حقه فيما وصل إليه من شهرة ومجد شعريين.

{ لا يعني انتشار كلمة بين الناس أنها صحيحة، ومثالنا الآن فعل «بزَّ» ويعنون به تفوّق فنسمع أو نقرأ «وبزَّ أقرانه في العلوم كافة» وهذا خطأ، وما ذكرني بهذا الفعل مقالة لأحد الكتاب المخضرمين في صحيفة عربية مشهورة حيث قال «ولها أسواقها العامرة التي كانت تَبِزُّ الأسواق الأخرى» وقلت لنفسي أولاً: من أي عصر خرج إلينا هذا الكاتب؟ ألم يكن يستطيع القول: تتفوق على الأسواق الأخرى؟ ولفت انتباهي حرصه على تشكيل الفعل (ضبطه بالحركات) فكتب «تبِزُّ» بكسر الباء، وهذا هو الخطأ الأول، فالفعل: بزّ يبُزّ بضم الباء، لكن المفاجأة أن الفعل لا علاقة له بالتفوق، بل «البزّ» هو السلـْب، وبزّه يبزه غلبه وغصبه، وبزّ الشيءَ بزّاً انتزعه، وللفعل ومشتقاته معاني أخرى لا تهمنا الآن. ولم أستغرب أن يخطئ هذا الكاتب لأنه يقول في المقالة نفسها «واستباحتها في شكلٍ مُخزي يُندى له الجبين» ونسي – أو لا يعلم – أن الاسم المنقوص (المنتهي بياء) تحذف ياؤه عند التنوين إلا أن يكون منصوباً، عندها تلحق به ألف لتحمل التنوين «قاضٍ وقاضياً، شاكٍ وشاكياً، رامٍ ورامياً». وخطؤه الثاني في جملة واحدة قوله «يُندى له الجبين» ووضع الضمة فوق الياء من عنده، وهذا قول شائع جداً ويقصد به الأمر المُخجل المخزي، وأصل الفعل «ندي يَندى» ومنه الندى وهو البلل، وما يسقط بالليل، وغالباً يقال: ندى الصباح.

{ دعونا كثيراً إلى الارتقاء بلغة الكتابة الصحفية، والقاعدة الذهبية «ما تفهمه العامة وترضى عنه الخاصة» لكننا دعونا ودعا الأدباء والعلماء إلى البعد عن التقعر ووحشي الكلام، سأقتطف لكم فقرة مطولة من مقال لكاتب دكتور، ولاحظوا اللغة التي يكتبها، وقولوا لي كم من القراء سيستسيغونها ويفهمونها بيسر وسهولة:

(كلما انعدمت علاقة المواطنة، في دولة ما، أو شابها شوْبٌ من نيْلٍ وانتقاص، أو اعتُدِيَ عليها شكلاً ما من أشكال الاعتداء، انتُهِكت حقوقُ الإنسان بالتَّبِعَة واهتُضِمت «المضحك أن هذه عامية ولها في الأصل معنى مختلف» وحِيفَ بها أبلغ الحيْف «هو الجور والظلم، والأصل حاف، ولا نقول: حيف به». ويُسْتَفاد من ذلك أنه لا مكان لافتراض إمكان احترام حقوق الإنسان في اجتماع سياسيّ لا يقوم على مبدأ المواطنة، ولا لافتراض حالِ العدوان عليها، حيث تكون المواطنةُ محفوظَة الجانب، إذِ التلازُمُ بين حقوق الإنسان والمواطنةِ تلازُمٌ ماهويّ «هذه مشتقة من الماهية وهي مصطلح فلسفي». وليست هذه حقيقة نظريّة فحسب، أي مبنيّة على تصوُّرٍ نظريّ اعتباريّ ومعياريّ وفلاسفةُ «ألا يجب أن تكون وفلسفي؟» لمعنى الدولة الوطنيّة) ارحموا القراء قليلاً يرحمكم الله.






بقلم: نزار عابدين
كاتب وإعلامي سوري

نزار عابدين