كتاب وأراء

لعلَّكَ تُرزقُ به !

النَّاسُ هم النَّاسُ في كل عصر، أكثر ما يشغلهم الرِّزقُ والمالُ وتحصيلُ المعيشة، فطرة الله التي فطرَ عليها الناس! وقد قال سبحانه في مُحكم التنزيل عن الإنسان «وإنه لحُبِّ الخير لشديد» وجمهور المفسرين على أن الخير في الآية هو المال! على أنَّ جمع المال ليس عيباً، والغِنى ليس سُبةً، ونِعمَ المال الحلال في يد العبد الصالح، المهم أن تملكَ أنتَ المالَ لا أن يملككَ! وأن يكون لكَ خادماً لا سيداً، وأن تضعه تحت قدميك ليرفعكَ لا فوق رأسك ليخفضك!
كان في عهد النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أخوان، أحدهما له مهنة يتكسَّبُ منها، والآخر لا مهنة له، يحضرُ مجلسَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ويأخذ منه الحديث والقرآن! وكان الذي له مهنة يُنفقُ على نفسه وعلى أخيه، ثمَّ إن صاحبَ المهنة أتى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يشكو إليه أخاه!
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لعلَّكَ تُرزقُ به!
الحديثُ ليس تشجيعاً على البطالة، وعلى أن يكون الإنسان عالة على غيره، على العكس تماماً إن الأحاديث التي تحثُّ على العمل والاجتهاد، وتُثني على من يأكل من عمل يديه كثيرة، ولكن مثل هذه الأحاديث إنما تُقال للأخ الذي لم يكُن له عمل، ولا تُقال للأخ صاحب المهنة لأن فيها تحريضاً له على ترك أخيه، ما يُقال للمُنفق ما قاله النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لعلَّكَ تُرزقُ به!
العمل سبب للرزق، ولكن الرَّازق هو الله، وما أدراك أن الله قد فتحَ لكَ باب الرِّزق في عملك لا بسبب جدك واجتهادك، وإنما بسبب أبوين تُنفِقُ عليهما، وابنٍ ذي عاهةٍ لا تتأففُ منه، وفقيرٍ خصصتَ له مبلغاً شهرياً، ومريضٍ تكفلت بدوائه الدائم! ما أدراك أنَّ الله قد جعلكَ باباً وسبباً يرزقُ به عبداً من عباده، وأنتَ تُرزقُ لتُعطي، يريدُ الله ألا يقطع عنكَ الخير لتجود به، وتُمرره لغيرك!
أنتَ أضعف من أن ترزق نفسكَ، ومن باب أولى أشدُّ ضعفاً من أن ترزق غيرك، وأنه سبحانه حين جعلكَ سبباً في رزق غيرك فقد تكرَّمَ عليكَ واصطفاكَ لهذا العمل، فهو قادر أن يرزقه ويُغنيه عنكَ، فما حرمه الرزق المباشر الذي يقع في يده عن فقرٍ منه سبحانه، ولكنه جعل الناس لنا أبواباً إلى الجنة فلا تُغلقْ باباً فتحه الله لكَ، لعلكَ إن أغلقته أحوَجَكَ إلى غيرك، كما أحوجَ غيركَ إليكَ أولاً، فأعطِ واحمدْ ربَّكَ أن جعلكَ عبده المُعطي لا عبده الآخذ!
كان عبد الله بن جعفر من أكثر الناس صدقةً، يُعطي الفقراء بشكلٍ جعلَ حتى أقرب المقربين منه يلومونه، أن أعطِ أقلَّ من هذا، فقال لهم: لقد عوَّدَني اللهُ عادةً، وعوَّدتُ عبادَه عادةً، فأخشى إن غيَّرتُ عادتي أن يُغيِّرَ الله عادته!
فهمٌ دقيقٌ وعميقٌ لقول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: لعلكَ تُرزقُ به!
بقلم: أدهم شرقاوي

أدهم شرقاوي