كتاب وأراء

زقزقة العصافير

أحب اقتناء الحيوانات الحية منها والمحنطة، وأحواض السمك، والطيور بكل أشكالها، ومواضيعي الإنشائية في المدرسة -وأنا على مقاعد الدراسة- كانت جلها عن الطيور والعصافير والحيوانات، وأول محطة لي عادة عند السفر إلى أي دولة زيارة حديقة الحيوانات، وأحواضها المائية، وأهلي يتضايقون من هوايتي، وينفرون منها، ولو كان الأمر يؤول لهم، لأصدروا فرماناً شديد اللهجة موجهاً لي بتحريم اقتنائها، إنهم ما عرفوا السر في اقتنائي لها وارتباطي بها، إنها تؤنسني، وتفرحني، وتطربني، لحظاتي وأوقاتي وأيامي تتزيّن بها، وصباحي ومسائي يتجمل معها، وفي كلِّ يومٍ جديد، استيقظ على صوت زقزقة العصافيروتغريداتها المنعشة، كأغاني فيروز المنعشة، أعشق الجلوس في الحدائق بين الخضرة والماء والعصافير المزقزقة، عصافير تأتي، وأخرى تطير، وأصوات العصافير، تحيِّي الكون بفضاءاته الرحبة، وتضفي عليه جمالاً على جمال، أشعر معها أن الدنيا تحضنني، والعالم يعانقني، في ظل أنغام زقزقة العصافير أحلى سيمفونية طبيعية تبثها الطبيعة لعشاق الجمال، وكم هي جميلة هذه السيمفونية ذكرتني بسيمفونيات «موزارت» الرائعة التي كنت أسمعها في ذلك المكان والزمان.
العارفون للعصافير يعرفون جمالها وقيمتها، ويقدرون زقزقتها، وبديع أصواتها، وألحانها، وجاذبيتها، سبحان الله، جمال الخالق في كل شيء، وفي كل شيء له آية، تدل على أنه الواحد، صنع الله، خلق وصنع وأبدع، أجلس في حديقتي الغناء بسعادةٍ، وشعورٍ يتملكني الرضا والقناعة والاكتفاء، وأنا في حالةِ استرخاء شديد وكما يقول صديقي المدرب الكابتن الاستشاري التعليمي حسن جوهر المسلماني «مركلس» وأنا أستمتع بزقزقة العصافير الصادحة في المكان.
ومع أنَّ حديقتي ليست بالكبيرة، إلّا أنَّ ما يجعلها مميّزة وجميلة بل لا مثيلَ لها في ناظريّ هو تنسيقها الجميل وورودها الغنّاء وفيئها الظليل، أستيقظ مبكراً لصلاة الفجر، ووردي اليومي وأذكاري أمضيها في حديقتي، وقبل شروق الشمس، أعير قلبي قبل سمعي لزقزقة العصافير، التي تحييني وتجلب لي معها أحلى الذكريات، قبل شروق الشمس تستيقظ العصافير، فتبدأ حركتها وزقزقتها، وتسبيحاتها «وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان غفوراً» (44) الإسراء، وتغريداتها الجميلة الأخّاذة، فتسحرني وتطربني وتنعشني بشكلٍ كبير، أسافر كثيراً، وأتنقل كثيراً، ولكن لا أفرط في لحظاتي الجميلة ولا أهدر لحظاتي الرومانسية إطلاقاً فأنا من عشاق الهدوء، والحيوانات والطيور والعصافير وزقزقتها والأحياء المائية بأنواعها.
الحمد لله أننا في دولة قطر، بلاد الخير والأمان والاستقرار والحدائق الغنّاء، والإحساس الجميل.
وعلى الخير والمحبة نلتقي
بقلم: يعقوب العبيدلي

يعقوب العبيدلي