كتاب وأراء

بل هو الرأي والحرب والمكيدة!

أرادَ المُسلمون القافلة، وأرادت قريش نجاتها، ولكن الله تعالى أرادَ الحربَ فكانت بدراً!
كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يكره الحرب، ويقول: «لا تتمنوا لقاء العدو ولكن إذا لقيتموه فاثبتوا»! وها هو العدو قد جاء، ولحظة الثبات قد أتتْ!
أنزلَ الجيشَ مكاناً قد ارتآه، وفي غمرة الاستعداد لوصول جيش قريش، يأتيه الحَباب بن المنذر ويقول له: يا رسول الله هذا المنزل أنزلكَ الله إياه فليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟!
فقال له: بل هو الرأي والحرب والمكيدة.
فقال: يا رسول الله، هذا ليس بمنزل حرب! فامضِ بالناس حتى تبلغَ آبار بدر، فاجعلها خلفكَ، ثم نُقاتل القوم، فنشربُ ولا يشربون!
فقال له: نِعْمَ الرأي!
فنهض، وسار بالناس، وجعل آبار بدر خلف الجيش، فقاتلوا، وشربوا، وعطشَتْ قريش!
كان الله سبحانه قادراً على أن يُوحيَ إليه أن ينزل في هذا المنزل دون الحاجة إلى رأي الحباب بن المنذر، ولكنه أراد أن يُعلِّمنا أنّ هذه الأمة تحتاج إلى كل طاقاتها كلٌ في مجاله، ما عرفه الحباب بن المنذر بخبرته العسكرية غابَ عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم لأنه لم يخُض الحروب من قبل. والحياة تجارب، والأيام مدرسة، فاحترم أنتَ خبرات الناس، فها هو النبي صلَّى الله عليه وسلَّم المُؤَيَّد بالوحي قد غابَ عنه أمر لم يَغِبْ عن رجل من المُسلمين خَبِرَ الحرب وعايشها، ليس في الأمر منقصة أن تسأل أهل الاختصاص، لا تُعالج نفسك كأنك أبقراط، الأطباء أعرف منك وربما قتلتَ نفسك جهلاً وقد كان الشفاء قاب قوسين أو أدنى منك، ولا تبنِ بيتك كأنك أعظم مهندس في العالم، ربما وقع السقف عليكَ، أنتَ خبير في مجالك، ولكن عليكَ أن تحترم خبرات الآخرين في مجالاتهم!
وانظُرْ لأدب النُّبوة، لا كِبَر ولا عناد، يسأله الحباب أهذا وحي نلزمه ولا نحيد عنه، أم هناك مجال للرأي، فيُخبره أن الأمر شورى وإن كان عنده رأي أصوب وخطة أفضل فليتفضّل! وعندما سمع رأيه لم يجد حرجاً أن يُنفِّذه! لم يقل ماذا سيقول الناس عني، رجلٌ أملى عليَّ رأيه وجعلني أُغيِّر مكان الجيش! على العكس تماماً أشادَ برأي الحباب على مرأى من أصحابه، وتحرَّك من فوره ليُنفِّذ رأيَ غيره عندما وجده أصوب من رأيه!
لا تكُن تنحاً، إذا تبيَّنَ لك رأي أصوب من رأيك فخُذْ به، وإذا عزمتَ على أمرٍ وجاءك من تعرفُ أنه يُريد الخير لك وأقنعك أن لا تفعل فلا تفعل، ما أهلكَ شيء الناس أكثر من التناحة والعناد!
بقلم: أدهم شرقاوي

أدهم شرقاوي