كتاب وأراء

تعلم لي كتاب يهود!

لمَّا قَدِمَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم المدينةَ المنورة، جاء بنو النجَّار بِزَيد بن ثابت إليه، ولم يكُن يومها قد تجاوز السادسة عشرة من عمره، فقالوا: يا رسول الله، هذا زيد بن ثابت، يحفظُ من القرآن ما يَسُرُّكَ! فاستقرأه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقرأ له سورة «ق»، فأُعجبَ به، ولاحظ فيه ذكاءً وقاداً، وعقلاً مُنيراً، فقال له: يا زيد، تعلَّمْ لي كتابَ يهود، فإني واللهِ ما آمنُ يهودَ على كتابي!
فما مضتْ خمس عشرة ليلة إلا وقد تعلَّمَ زيدٌ العبرية! فكان يكتبُ للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم إليهم، ويقرأ له رسائلهم إذا كتبوا إليه!
نحن لا نعيشُ وحدنا على ظهر هذا الكوكب، هناك شعوب وثقافات وحضارات ولغات أخرى نحتكُّ بها، ونتواصل معها، ومعرفة هذه الثقافات، وإتقان تلك اللغات ضرورة حياتية وليستْ ترفاً فكرياً! على أنَّ إتقان تلك اللغات لأجل التواصل وتسيير أمور الحياة شيء، وإتقانها لأجل التباهي شيء آخر!
اللغة الإنجليزية اليوم هي لغة العلوم، وبها يدرسُ أغلب طلابنا خصوصاً في الاختصاصات العلمية، وتحصيل هذه الاختصاصات واجب، وتعلُّم الإنجليزية واجب على الطلاب الدارسين لأنَّ ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب!
هذا حدُّ الموضوع لا أكثر، أما أن يتحدَّثَ عربيٌّ مع عربيٍّ ويضعُ بين كل كلمتين عربيتين كلمة إنجليزية أو فرنسية من باب التباهي، فهذه فيها من المياعة، والانهزام الثقافي والحضاري، أكثر مما فيها من العلم! هذا في حالة كان المُتحدِّثان العربيان يُتقنان الإنجليزية، أما فعل هذا مع العوام ففيه شيء من الاستعلاء والغرور!
الذكاءات مُتعددة، هذه حقيقة تربوية لا جدال فيها، من الطلاب من لديه ذكاء لغوي رهيب ولكنه ضعيف في الرياضيات، ومنهم من هو عبقري في حل المسائل الفيزيائية، أو التعامل مع المعادلات الكيميائية، ولكنه لا يستطيع أن يحفظ فقرة من عشرة أسطر إلا بشق النفس! ومنهم من يجد حفظ عشر صفحات أيسر عليه من حساب مساحة مستطيل!
ودورُ الأهل والمدرسة معرفة المجال الذي يبرعُ فيه الطالب ثم توجيهه إليه، وهذا ما فعله النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالحرف، فعندما لاحظ ذكاء زيد بن ثابت اللّغوي طلب منه أن يتعلَّم العبرية فتعلَّمَها في وقتٍ قياسي! والشيء بالشيء يُذكر، يقول ابن كثير في البداية والنهاية: كان زيد بن ثابت من أشد الناس ذكاءً، تعلَّمَ لسان يهود في خمسة عشر يوماً، وتعلَّم الفارسية من رسول كسرى في ثمانية عشر يوماً، وتعلَّم الحبشية والرومية والقبطية من خُدَّام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم!
أفهمُ جيداً رغبة الأهل في أن يكون أولادهم أطباء ومهندسين، ولكن على الأهل أن يفهموا أن إجبار الأولاد على اختصاصات لا يجدون أنفسهم فيها هو ظلمٌ لهم! ما أدراك لو أنه درس ما يميل إليه ويبرعُ فيه لفاقَ ألف مهندس وطبيب! تخيَّلوا لو أُجبر المتنبي أن يدرس الطب ويترك الشِّعر، حتماً لم تكن لتفرقَ كثيراً لو ازدادت البشرية طبيباً، ولكنها فاجعة لو خسرنا المتنبي!.
بقلم: أدهم شرقاوي

أدهم شرقاوي