كتاب وأراء

لغتُنا الأُم

خولة مرتضوي
مجتمعاتنا تُعاني اليوم أزمة حقيقية تتمثّل في تراجُع الاهتمام باللغة العربية، فالمجتمع بمختلف تدرجات أفراده العُمرية يُعاني نفورًا ملحوظًا من استخدام الفصحى، ويُمكن أن نُعيد هذه الإشكالية الكُبرى لعددٍ من العوامل التي ساعدت في تفاقم الحالة يومًا بعد يوم، فالأساليب الجافّة المتبعة في تعليم اللغة العربية في مختلف المراحل التعليمية أدت إلى خجل الناشئة من التعبير بالفصحى وتفضيل التعبير بالإنجليزية، الأمر الذي ربط استخدام الفصحى بالرجعية والمحدودية والتاريخية، وفي المقابل تم ربط اللغة الإنجليزية بالصفوة والتحضُّر الثقافي والاجتماعي.
وفي هذا الجانِب لا ألوم إلا المناهج الدراسية أولًا ومدرسي اللغة العربية ثانيًا الذين لم يهتموا كثيرًا بربط الدروس لتنظيرية إلى تطبيقات تعليمية يسرة وممتعة؛ تُيَسِّر هدف تعلُّم اللغة وتُحبب الناشئة بتجرُّع المزيد منها.
ومن الملاحظ كذلك أنَّ أرباب العمل والمؤسسات التعليمية الكُبرى تتشرّط إجادة اللغة الإنجليزية إجادةً تامَّة، في الوقت الذي لا تعبأ فيه بتاتًا لمدى قدرة المتقدّم على التعاطي بالفصحى، الأمر الذي يعكس لنا مدى الأخطاء اللغوية والتعبيرية والتركيبية التي تتسم بها الخطابات الإدارية الخُطَب المنبريَّة والمُرسلات الإداريَّة على سبيل المثال، فالقائمون عليها لم يتم تعضيدهم بشكلٍ أساسي بالفصحى، وهُنا يجب أن أذكُر أنَّ العثرة بالفصحى غالبًا مغفورة، في بيئات العمَل، بينما لا يُغتفر لمن يُلَحِّن بالإنجليزية. وأعتقد أنَّ الصورة الذهنية التي خلقها الإعلام والمجتمع معًا، التي رسمت العربية في ذهنيَّة المتلقين؛ لغةً صعبةً التعلُّم والإتقان وكثيرة القواعد والصرف أسهمت في زيادة هذه الهُوَّة، بعكس الإنجليزية التي تُقدَّم دائمًا في سياقات تعليمية سهلة ومحببة جدًا.
إنَّ مؤسسة الأسرة لا تنفصل كثيرًا عن بقية مؤسسات المجتمع المدني السياسيَّة والاجتماعيَّة وغيرها، فعلى عاتقها يقَع الكثير، فهي التي تزرع لبنة التأسيس اللغوي الأولى، وكما هو مشاهدٌ اليوم، نلحَظ أنَّ الأُسر العربية والإسلامية اليوم في صراع كبير بين الحفاظ على الموروث الثقافي العتيق وبين الانفتاح على الآخر، وفي النهاية نجد أنَّ الكفّة تميل كُل الميل إلى التركيز على الإنجليزية، حيثُ نلحَظ أنَّ الأسَر تلهَثُ وراء تسجيل أبنائها وبناتها في المدارس الأجنبية التي تقدِّمُ، على حَدّ تعبيرهم، لُغَة العصر العالميَّة، وكأنَّ المجتمع، بكُل أطيافه، قد غَلُبت عليه لُغة سوق العمل. ولنا أن نعلم أنَّ ما يتطلّعُ لهُ سوق العمل أحيانًا من ضوابط واشتراطات قد يتنافى تمامًا مع قيم ومبادئ ثقافتنا العربية الإسلامية الأصيلة، فسوق العمل لا يوظِّف، غالبًا، المتشدقين بعربيتهم، حيث يجد فيهم نوعًا من الترَف التافه والتخلُّف والرجعيَّة!
قارئي العزيز، تعيشُ بيننا شريحة كبيرة خانت وفاءها للعربية، رُغم أنَّ هذه الشريحة تنتمي لفئة المتعلمين المتنورين، لكنها لا تنفكُّ من إطلاق لسانها بكلماتٍ أجنبيةٍ دخيله على العربية، ويقدمون أنموذجًا يُنافى ما يجب أن يكون عليه العالم العربي المسلم المحتفظ والمفتخر بلغته وفصاحته وسداد بيانه. اللغة الفصحى لا يُمكن لها بأيِّ حال من الأحوال أن تتخَلّف، لكن ما هو ملاحظٌ اليوم هو أنَّ أهلها تخلَّفوا وتخلّوا عنها وتلبسوا لغة لا تنتمي لهم، رُغم أنِّي لا أدعو نهائيًا إلى مقاطعة الإنجليزية، فهي لغة عالمية والكثير من الأوعية العلمية والمؤسسات التعليمية العريقة تقدّم برامجها بهذه اللغة، لكنّها دعوة للتمسُك باللغة العربية وجعل الصدارة والأولوية لها.
قارئي العزيز، وبما أني أعمل في مجال الإعلام، فإنِّي لا أُبرِّئ وسائل الإعلام العربية من تورطها في إشكالية تراجع اللغة العربية، وضرب هذا المتراس الثقافي الذي يعتبر علامة بارزة من علامات توحيد هذه الأمة، حيث نجد أنَّ أغلب البرامج الجماهيرية تركّز على استخدام اللهجات المحلية، حتى أصبح عدد المذيعون الذين يقدمون اللغة البيضاء التي تزاوج بين اللهجة المحلية والفصحى؛ قليلٌ جدًا وفي تراجع مستمر، كما أنَّ الذين يتحدثون العربية في البرامج والنشرات الإخبارية بحاجة إلى تدريب وممارسة كبيرة، حيثُ نلحظ الكثير من اللحن في استخدام الفصحى، من رفع المنصوب إلى نصب المرفوع إلى غيرها من الأخطاء العظيمة في حق اللغة، وهي ممارساتٌ أسهمَت بدورِها في انتشار الأخطاء اللغوية واستساغتها من قبل الجماهير دون حسيبٍ أو رقيبٍ،
عزيزي القارئ، إنَّ الجهود التي تبذُلها الدولة في إقامة نهضة لغوية شاملة تلبّي متطلّبات العصر الذي نعيشه، وتحافظ في الوقت عينه على أصالة اللغة العربية وجمالها؛ أمرٌ مبشّرٌ بكُلّ خير، ويبقى أن تلتزم مؤسسات المجتمع المدني بشكلٍ جادّ في تطبيق هذا القرار، فالعربية جزء أساسي من هويتنا العربية والإسلامية الغرّاء، وأي تنازُلٍ عنها يُعَدُّ تنازُلًا وبيعًا مباشرًا لأصالتنا الحقيقة، فهذه الإرادة الجماعية هي مطلبنا في الفترة القادمة، وذلك للحفاظ على لغة القرآن الكريم والارتقاء بها، لتصبح شامتنا الدالّة بين الأمم.
{ إعلامية وباحثة أكاديمية- جامعة قطر

خولة مرتضوي