كتاب وأراء

عـنـدمـا كان الـسـيّـد «2-2»

هـل تـتذكرون ذلك الصندوق الخـشـبي بحجم التلفـزيون (قـبل اخـتراع الشـاشـة المسـطحة) يحتل صدر المجلس؟ بل كانوا يصنعون له غطاءً من الدانتيل، ولم يكن من حق الأطفال أن يلمسوه. كان سيد المكان والزمان، نحفظ مواعيد نشرات الأخبار، ونسمعها من لنـدن والقاهـرة والإذاعة المحليـة، وحتى من «دار الإذاعـة الإسـرائيـلية في أورشـلـيم القدس» كما كانوا يعلنون، ونقـارن، ونبني تحليلاتنا وتصوراتنا، ونتحاور. نسـمع البرامج الثقافـية، حتى مناقـشـات رسـائل الدكتوراة في «البرنامج الثـاني»، نسـمع الأخبار الطريفة والغريبة من برامج «الكشـكول» وهذه كلمة فارسية، ونسمع الأغاني الجديدة وعلى رأسها الحفـل الشـهري لسـيدة الغـناء العربي أم كلثوم، بل كنا نحضر «لوازم» السهرة في ذلك اليوم. لم يكن الـراديـو متوفـراً في كل بيـت ودكان، فـإذا أذيعـت أغـنيـة جديـدة كان صاحـب الراديـو «يـرفـع» الصـوت إلى آخـره. وكنـا في آخـر الأسبوع نستمع إلى مقالة محمد حسنين هيكل «بصراحة» من صوت العرب.
وعندما اخترعوا الترانزيستور حدثت ثورة أين منها ثورة الاتصالات الآن. صـار بإمكان أي إنسـان (حتى الـراعي والفـلاح) أن يأخذ الراديـو معـه إلى أي مكان، وصار الشـاب يغـفو على الأغـنيات العاطفـيـة، أو يستجلب النوم بـ «الليل والشـعـر والموسـيقى». ميـزة الراديـو أنه لا يشـغلـك، هل يمنعك الراديو من قيادة السـيارة؟ أما التليفزيون فإنه يسـتولي على سـمعك وبصرك وعقلك.
نشـأنا على أصوات جيل عـمالقة المذيعـين، في القاهـرة ودمشـق وبغـداد وبيروت وعمان ولندن، وكانوا نجومـاً، ولن أذكر الأسماء كي لا أظلم أحداً، ومنهـم تعـلمـنا النطق الصحيح، واللغـة العربيـة، من ينسـى «قـول على قول»؟ تعلمنا أدب الحوار وأسـسه ومبادئه، وليس ما يسود برامج المقابلات الآن من هذر وتفاهة وانحطاط لغوي، وكان الراديو دليلنا إلى الشعر والشعراء. نشأنا على الطرب الأصيل والأغاني الخالدة، ولن أعدد أسماء المبدعين، فالمجال ضيق.
لم يكن الراديو مجرد وسـيلة اسـتماع، كان محفّزاً على الإبداع، وكان مدرسـة ظلت حتى الأمس القريب تعـلـم الأجيال أشـياء كثـيـرة أولها اللغـة والثـقافة. كان الراديـو يغـني عـن الصحيفة، ولا ينوب عـن الكتاب، بل يدفعنا إلى القراءة. كان زمـن الراديو الزمن الجميل بحق، وبعد تلك الأيام انحدر كل شيء: اللغة والثقافة والسينما والمسرح والغناء، ولم نعد نملك إلا التحسر على ما مضى.
بقلم: نزار عابدين

نزار عابدين