كتاب وأراء

من فجع هذه بولدها ؟!

كانوا على سفرٍ معه، وأي شيءٍ في الكون أروع من أن تُسافر معه، أن تراه يمشي أمامك وبِوِدك لو فرشتَ له قلبك بساطاً أحمر كما يليق بحذائه أن يطأ! وأن تنظر في وجهه عن قرب فتتمنى ألا ترمش كي لا يغيب الوجه الشريف عنك جزءاً من الثانية! وأن تسمع صوته فتتمنى لو أن الكون كله يخرس فلا يُعكر صفو صوته شيء، ثم ناهيك أن تقف وراءه في الصف ليُصلي بك، طوبى لهم!
ويُحدثنا ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم تركهم يومها وذهب لبعض حاجته، فرأوا حُمَّرةً معها فرخان، فأخذوا فرخيها، فجعلتْ تُحلِّقُ فوقهم وتصفِّق بجناحيها، أُمٌّ ثكلى بفقد أولادها، ثم جاء النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقال: من فجعَ هذه بولدها؟ رُدُّوا ولدها إليها!
يا له من دين، ويا لها من شريعة، ويا له من نبي لا يرضى أن يُكسر خاطر عصفورة! ثم إنَّ الحُبَّ اتباع، والاتباع العمل، والحب الذي ينقصه الاتباع والعمل حب ناقص مهما ادعينا كماله، وقد قال شاعرنا:
لو كان حبك صادقاً لأطعتَه
إن المحب لمن يُحبُّ مطيعُ!
إنَّ الذي يحرم زوجته من أبنائها لخلافٍ وطلاق عليه أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي لم يرضَ أن تُفجع عصفورة بأولادها لن يرضى أن تُفجع أم بأولادها!
إنَّ جبر القلوب مُقدَّم على جبر العِظام، لأن كسر القلوب أشدُّ ألماً، وكسر العظام سرعان ما يلتئم، أما كسر القلوب فيبقى أبد الدهر، وإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرضَ أن يفجعَ أحدٌ أحداً!
الكلمة التي تقولها في مجلس ضد أحد لتُضحك الآخرين عليه تنغرسُ في قلبه عميقاً، وينفضُّ المجلس، وينتهي الضحك، ويضع رأسه على وسادته حزيناً ولربما لم ينم ليلته تلك لأجل أنَّ حضرتك أردتَ أن تتسلى!
جبر الخواطر عبادة، كالصيام والصلاة تماماً..
ابتسامتك في وجه مسكين بالنسبة إليك مجرد ابتسامة لا تكلف شيئاً ولكنها بالنسبة إليه هدية عظيمة قد تصنع يومه كله، وتُشعره بإنسانيته وقيمته التي سلبته قسوة الحياة شيئاً منها!
زيارتك لموظف مسكين عندك نزل به مرض هي بالنسبة إليك مجرد دقائق معدودة ولكنها بالنسبة إليه عطاء فخم، وثروة مهولة!
جرِّب أن تسأل عاملاً بسيطاً عن سبب تغيُّبِه البارحة عن العمل وتأمل مقدار السعادة في عينيه، ثمة أشياء لا تُكلِّف كثيراً ولكنها تعني كثيراً!
إسعاد الآخرين لا يحتاج إلى ثروة ضخمة بقدر ما يحتاج قلباً عظيماً، وإتعاس الآخرين لا يحتاج سيفاً مُسلَّطاً، ولا لكمة قوية، ولا صفعة شديدة، كلمة واحدة فقط قد تكون أكثر إيلاماً من ضربة سيف، فلا تفجع أحداً بنفسه!
بقلم: أدهم شرقاوي

أدهم شرقاوي