كتاب وأراء

الفيتوري.. وأزمنة الغربة والارتحال «2-2»

قال الشاعر الراحل محمد الفيتوري إنه بعد يوم واحد فقط من سقوط نظام عبود عبر ثورة شعبية في أكتوبر من عام 1964 احتفى بها العالم ولا يزال، استمع من إذاعة أمدرمان إلى نشيد «أصبح الصبح»، ووصف النشيد بأنه صار «مارسيليز السياسة السودانية» ولا يزال.ونقرأ في «ويكيبيدا» عن المارسيليز أو «لا مارسييز» أنه «هو النشيد الوطني للجهورية الفرنسية تمت كتابته في عهد الثورة الفرنسية».
إن الثورات يصنعها الناس وتكون دوما ملكا لكل الناس، ويخلدها الناس في القلب والعقل مدى الدهور.
في نشيد «أصبح الصبح» يقول الشاعر الفيتوري: (أصبح الصبح وها نحن مع النور التقينا.. التقى جيل البطولات بجيل التضحيات).
وفي فترة لاحقة كتب الفيتوري الكثير من قصائد الثورة ومحبة الوطن والانتماء إلى الشعب.
تغنى له وردي بعد سقوط نظام الرئيس الراحل المشير جعفر نميري بنشيد (عرس السودان). في النشيد الذي صدح به وردي بعد أيام معدودة من سقوط النظام الديكتاتوري عبر انتفاضة مارس - أبريل من عام «1985» يقول الفيتوري: (في زمن الغربة والارتحال تأخذني منك وتعدو الظلال).
إن أحاسيس الفيتوري لأوقات طويلة بحزن البعد عن وطنه السودان لظروف «السياسة» جعلت لكلماته الشعرية ذات نبرة أخاذة تستقطب إعجاب المتلقي.
وفي لقاء أرشيفي آخر مع وردي استمعت إليه في «البي بي سي» قبل أيام قال «إن الغربة طالت».
وكان المتلقي أيضا يستشعر في ألحان وردي وأداء وردي للأغنيات عاطفية كانت أو وطنية «شجن الإحساس بالغربة». أتذكر أن الأديب الراحل الطيب صالح قال ذات يوم: «صنعتني الغربة»، كان ذلك في حوار أجراه معه في لندن الكاتب والناقد المغربي بشير القمري وطبع في كتيب صغير حين كرم مهرجان أصيلة الطيب صالح في النصف الأول من التسعينيات.
صالح كان يستعيد الوطن والمجتمع كله بكافة تفاصيله عبر حروف الكتابة وعبر ثيمات قصصه ورواياته: نخلة على جدول ودومة ود حامد وموسم الهجرة إلى الشمال ومريود وبندر شاه ثم في المختارات وخصوصا كتابه بعنوان: «خواطر الترحال».
الغربة رغم الشجن تظل دوما ملهمة للكثير من المبدعين .. وأقول هنا، إن إبداعات الفيتوري قد استقطبت جمهورا كبيرا وظل المتلقي يسعد بقراءة والاستماع إلى قصائده زمنا طويلا بصوته المعبر النابض بالحقائق، تلك القصائد التي تعكس رقة الشعور وبلاغة التعبير وتفرد المعاني وعمق المواقف. ولايزال جمهور «الفيتوري» يستعيد العديد من المقاطع الشعرية المبدعة التي كتبها، ومنها هذا المقطع الرائع من قصيدة معزوفة لدرويش متجول: (وتجف مياه البحر وتقطع هجرتها أسراب الطير.. وحزنك في عينيك جبال ومقادير وأجيال).
بقلم: جمال عدوي

جمال عدوي