كتاب وأراء

من دخلَ دارأبي سُفيان فهو آمن !

أدهم شرقاوي
حاولتْ قُريش أن تُثنيه عن دعوته فلم تُفلح، لا الترغيب آتى أُكُله، ولا الترهيبُ أثمر! ولأنَّ العربَ تقولُ: آخرُ العلاج الكيِّ! حزمتْ قُريشٌ أمرها على قتله! خطة مُحكمة، من كل قبيلةٍ رجلٌ ليتفرَّق دمه بين القبائل، فيعجز بنو هاشم عن الأخذ بالثأر ويرضون بالدية! ولكن النبيَّ المحفوف بالعناية الإلهية أُوحيَ إليه أن يتركَ عليَّاً في فراشِه تلك الليلة ويصحبَ أبا بكرٍ خلسةً تحت جنح الظلام في هجرةٍ غيَّرتْ وجه الأرض إلى الأبد!
ودارتْ الأيام، الرجل الذي نزل يوماً وحيداً من الغار صار أُمَّة، عنده جيش يأتمر بأمره، وأصحاب يفدونه بالعيون والمُهج، تغيَّرتْ موازين القوى في بضع سنين، وها هو اليوم على أعتاب مكة يُوشك أن يدخلها في وضح النهار!
ما جاء للثأر، ولكن على هذه المدينة أن تستردَّ هويتها، وعلى البيت المعمور أن يلفظ أصناماً غزتْهُ ذات شِركٍ وجاهلية!
وقبل الدخول إلى مكة، قال العباس للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم: يا رسول الله، إنَّ أبا سُفيان رجل يُحبُّ الفخر، فلو جعلتَ له شيئاً!
فلمَّا دخلَ مكة، أمر المنادي أن يقول: من دخلَ الكعبة فهو آمن، ومن دخلَ داره فهو آمن، ومن دخلَ دار أبي سُفيان فهو آمن!
لم تكُن هذه الجملة إلا استمالةً لأبي سُفيان وإلا ما حاجة أحدهم لدخول دار أبي سُفيان ما دام بإمكانه أن يدخل داره هو ليكون آمناً!
درسٌ عظيمٌ من دروس الحياة مفاده: أعطِ الناس ما يُحبُّون أن يُعطى إليهم، ما لم يكن في هذا العطاء إثمٌ، لأن هذا أثبت للودِّ وتأليف للقلوب!
البشر مُتشابهون في الشكل فقط، أما من الداخل فنحن طبائع شتى!
مِن الناس من إن لم تُجلسه في صدر المجلس لشعر بالإهانة، ومنهم من لا يهتم حيث يجلس!
من الناس من لو أرسلَ إليكَ منشوراً ولم تُعلِّق عليه لغضبَ منك، ومنهم من يُرسل الأشياء رغبة في مشاركتها ولا يهمه إذا علَّقتَ عليها أم لم تُعلِّقْ!
من الناس من يُحبُّ أن تمدحه في حضور الآخرين، ومنهم من يُشعره هذا بالخجل ويتمنى ألا تفعل!
من الناس من إذا مازحته مزحةً لغضبِ منكَ وأشعلَ حرباً ولو حاولتَ أن تسترضيه بعدها لشقَّ ذلكَ عليكَ لصعوبة عقله وضيق صدره، ومنهم من إذا أغضبته فعلاً، وجئتَ تسترضيه لرضيَ فوراً!
من الناس من إذا غبتَ عنه يومين ثم التقيتما لعاتبكَ لأنك لم تسأل عنه، ومنهم من إذا فارقته سنةً ثم لقيكَ لم يُشعرك بتقصيرك ولأشعرَكَ أنكما كنتما البارحة معاً!
اِفهمْ طباع الناس من حولك، وتعامل معهم حسب طباعهم، وتذكَّرْ أن الأطباء لا يُعالجون جميع المرضى بدواء واحد، الدواء يكون من جنس المرض، وكذلك المعاملة مع الناس، وفهم طباعهم ومعاملتهم على أساسها أريح لك ولهم!

أدهم شرقاوي