كتاب وأراء

الاشتياق لزمن الهزيمة ! «1»

عند متابعة ردود الفعل الرسمية والشعبية على طرح الرئيس الأميركي «دونالد ترامب» مؤخرًا لرؤيته حول حل أو بمعنى أدق تصفية القضية الفلسطينية في ما بات يعرف بصفقة القرن ندرك حجم الهوة السحيقة بين ما نحن عليه في أيامنا هذه ومواقف الحكومات والشعوب العربية بعد هزيمة عسكرية ساحقة ومزلزلة وقعت في 5 يونيو 1967، ووجدتني لا أحتاج لوقت طويل من التفكير لأصل لمرحلة التمني والاشتياق أن تعود المنطقة لزمن الهزيمة فقد تخطاه وتفوق عليه ما آلت إليه أحوالنا الآن بمراحل كثيرة وجعلت ما كان هزيمة قبل بضعة عقود يبدو كالانتصار الساحق بمقاييس العصر الحالي على المستويين الشعبي والسياسي الرسمي على الأقل.
قد يغضب الكثيرون عند قراءة مقدمة مقالي هذا ولكن أرجو تكملة بقيته حتى يدرك القاريء الكريم ما أرمي إليه من وراء تلك المقدمة التي أوجعتني وآلمتني بشدة وأنا كاتبها، في البداية تعمدت عدم ذكر حرب فلسطين 1948 لأن غالبية الدول العربية كانت واقعة تحت الاحتلال الغربي حينها بل وكان على رأس بعض جيوشها قيادات غير عربية من الأساس، وربما لأن هزيمة يونيو 1967 تلتها مباشرة عدة أحداث تجعل منها محطات يمكن الوقوف عندها والشعور بالحسرة عند مقارنتها بردود الفعل الحالية وربما لأن كافة القرارات الدولية تطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها في تلك الحرب وبالتالي فإن تمسك الحكومات العربية بهذا الطرح لا يتنافى مع قرارات الشرعية الدولية بل يستند ويرتكز عليها وهذا في حد ذاته إثبات لما هو مؤكد عن همجية وعنصرية وعدوانية دولة الاحتلال الإسرائيلي وضربها عرض الحائط لكل قرارات وكيانات ومنظمات المجتمع الدولي، هذا لو حاول أحدهم التعلل والتذرع والاختباء خلف حجج واهية بعدم قدرة الكثير من الدول العربية حاليًا حتى على مخاصمة إسرائيل ومعارضتها ولو من باب مطالبتها بالالتزام بالقرارات الدولية، وبالعودة لحقبة الستينيات فلم تكد تمضي عدة أسابيع حتى التأم شمل قادة جميع الدول العربية عدا سوريا في قمة الخرطوم بين يومي 29 أغسطس و1 سبتمبر 1967 أو ما تعرف بقمة اللاءات الثلاث «لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف بإسرائيل»، وحتى غياب سوريا جاء بسبب دعوتها المباشرة لشن حرب تحرير شعبية ضد إسرائيل، وخلال القمة تم الصلح بين مصر والسعودية بعد سنوات من الخصوم المتعددة الأسباب وحرب غير مباشرة في اليمن، ونتج عن القمة قرارات لتقديم الدعم لدول المواجهة تتحملها الدول النفطية الغنية -السعودية والكويت وليبيا- والاتفاق على إزالة آثار العدوان وضرورة تضافر جميع الجهود لتحقيق هذا الهدف على أساس أن الأراضي المحتلة هي أراض عربية يقع أمر استردادها على الدول العربية جمعاء، وغيرها من المخرجات والقرارات التي جعلت من تلك القمة التاريخية تصنف بأنها كانت الأقوى في تاريخ القمم العربية، حيث أظهرت مقدرة العرب على توحيد صفوفهم ورفض الاستسلام رغم التفوق العسكري الإسرائيلي الكاسح والدعم الأميركي اللا محدود لدولة الاحتلال.
وقتها كان مجرد الحديث عن لقاء مباشر بين العرب وممثلين عن دولة الاحتلال للحديث عن استمرار الوضع القائم وقبول تواجد إسرائيل والاعتراف بها هو ضرب من الخيال، ومن يتكلم دون يقين عن حتمية المعركة وتحرير الأرض ينظر إليه فورًا بعين الشك والريبة ويصنف بالانهزامي المتخاذل رغم أن كل الدلائل والموازين حينها تؤكد أن العدو متفوق عسكريًا ومدعوم سياسيًا ولوجيستيًا من قوة عظمى هي الولايات المتحدة الأميركية ومن خلفها القارة الأوروبية، لكن اتفق العرب على استخدام ما هو متاح للوصول لما هو مطلوب، أي التعاون مع أي طرف دولي قادر على المساعدة -الاتحاد السوفياتي آنذاك- واستخدام ما هو تحت اليد لتحرير ما اغتصب وتم احتلاله بقوة السلاح ووضع اليد، لإدراك الجميع أن العالم ينظر ولا يزال حتى يومنا هذا للصراع العربي-الإسرائيلي على أنه صراع العرب مجتمعين من جانب وإسرائيل بمفردها من جانب آخر ويتم حساب الثروات والمقدرات والقوات والعتاد العربي جميعه مقابل ما تمتلكه إسرائيل بمفردها وتروج دولة الاحتلال لهذا وتستخدمه حتى يومنا هذا وبطرق وأساليب شتى لتصوير نفسها على أنها «كيان صغير مسالم يعيش تحت التهديد المستمر».
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري