كتاب وأراء

مـــفـــارقـــــات الحـــروب الكــبــــرى

يعطي تاريخنا البشري أمثلة عديدة عما يمكن أن تتركه الحروب من تأثيرات سلبية على البشر عموما، وعلى المنخرطين في الحروب بشكل خاص، إذ أن الحروب تتسبب في الكثير من الاضطرابات النفسية والجسدية والسلوكية، فالقلق والاكتئاب ونوبات الهلع هي أمراض نفسية تظهر أكثر ما تظهر عند الحروب وبعدها، كذلك الأمر بما يخص الإدمان على المخدرات وحبوب الهلوسة والكحول،
وهو ما عانت وتعاني منه المجتمعات التي مرت بحروب طاحنة، سواء بحروب عسكرية بين الدول أو بحروب أهلية، طبعا ثمة أمراض عضوية مرتبطة بالأمراض النفسية تزداد في فترات الحروب، كأمراض القلب والأورام والأمراض المرتبطة بالأمعاء، أو ما يسمى متلازمة القولون العصبي، عدا عن الأمراض الاجتماعية الجسيمة، وأولها ازدياد عدد النساء بالقياس إلى عدد الذكور، نتيجة انخراط الذكور بحروب الموت والقتل!
ونادرا ما يتم الاعتراف بعد انتهاء الحروب بآثارها السلبية على من بقوا على قيد الحياة، إذ عادة ما يتم الحديث عن عدد القتلى والمفقودين وما خلفته من دمار على الأرض، وكلفتها الاقتصادية، وإعادة الإعمار، والتحالفات السياسية المقبلة، بينما يبقى الدمار النفسي والصحي والمجتمعي، مضافا إليه البيئي، الذي تتركه الحروب خلفها، من المسكوت عنه غالبا، إذ أن الاعتراف به ورصده ضمن إحصائيات دقيقة سوف يفضح لا أخلاقية الحروب ولا أخلاقية مسببيها، وقد يدفع المدافعين عن حقوق الإنسان والبيئة إلى اتهام شركات السلاح والدول المصنعة له بخراب البشرية وتحريك دعاوى قضائية ضدهم، وهو ما لا يحدث أبدا، إذ أن مافيات السلاح التي تحكم العالم لن تسمح بذلك، فهذه المافيات هي الراعي الرسمي لمنظمات حقوق الإنسان وللعدالة الدولية، وهي الممولة لها، وهذه إحدى أكبر المفارقات التي يحفل بها عالمنا، فمثلا: بينما تفتح مملكة السويد أبوابها للاجئين الهاربين من بلادهم نتيجة الحروب، وتعاملهم كمواطنين في المملكة من حيث الحقوق الواجبات، وتعتني بمستقبلهم ومستقبل أطفالهم التعليمي والصحي والاجتماعي، تعتبر السويد نفسها أول مصدر ومصنع للسلاح في العالم، السلاح نفسه الذي يستخدم في الدول التي تصدر اللاجئين إلى السويد، هل من مفارقة أو بروبوغاندا أكثر من ذلك؟! ليست السويد وحدها، على كل حال، بل هذا حال كثير من دول العالم الأول والمتقدم، الذي سمي بالأول لتمتع مواطنيه ومن يعيش فيه بكامل حقوقه الإنسانية والفردية! أليس من الغريب مثلا أن تعترف أميركا بالأمراض النفسية الجسيمة التي أصيب بها من بقي على قيد الحياة من جنودها الذين حاربوا في فيتنام، ومع ذلك لا تكف عن إرسال جيوشها لخوض الحروب في قارات أخرى؟!
أما الحديث عن الخراب النفسي والروحي الذي يصيب المشاركين في القتال والقتل أثناء الحرب فهذا موضوع طويل وكبير، وتقريبا تم رصده في معظم الأفلام السينمائية التي تتحدث عن الحروب، أو ما يسمى أفلام الحروب، غير أن الواقع أبشع وأشد فظاعة وهولا، وربما نعرف، نحن السوريين، من هذه الفظائع ما يكاد يقضي على العقل، فبخلاف القتل والبراميل المتفجرة التي ألقيت على البشر، وبخلاف اغتصاب النساء، وصنوف التعذيب المهول الذي يتعرض له المعتقلين، وكل ذلك قامت به قوات النظام وجيشه، هناك ما هو أشنع وأكثر دلالة على الخراب، لم يسلم منه كل من خاض هذه الحرب القذرة من كل الأطراف المعنية بالحرب، فمثلا لا يمكنني أن أستوعب كيف يمكن لجندي أن يقوم بسرقة منزل عائلة تهجرت! هذه الظاهرة التي سماها السوريون (التعفيش) فيها من انعدام الضمير والأخلاق والناموس البشري ما يفوق الوصف، وهي ليست ظاهرة سورية فقط، بل حدثت في كل الحروب البشرية، هؤلاء المعفشون أنفسهم، خارج الحرب يتعففون عن أكل حبة زيتون ليست لهم؟! ما الذي يحدث إذن في الحرب ؟! كيف تمحي الحرب كل القيم الأخلاقية التي يراكمها الوعي والإدراك البشري عبر الزمن؟! هذا الحق في استباحة كل شيء يملكه من يفترضه المقاتل هو العدو من أين يأتي؟! الجرأة على تصوير فعل السرقة واعتباره حقا من أين تأتي ؟! الجرأة على تصوير نبش القبور في المدن التي يسيطر عليها طرف من أطراف الحرب من أين تأتي؟! استباحة كل المحرمات والحرمات دون استثناء بما فيها حرمة الموت! هل يفكر من يفعلون ذلك بعد حين بما فعلوه؟ أم أنهم يتعاملون مع الأمر كما لو أن هذا الخراب الروحي هو جزء من حروبهم المقدسة ؟!
المفارقة الكبرى أيضا أن البشرية تدرك كل هذا الخراب، وفي عصرنا الحالي يتناقل رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورا وفيديوهات تكشف عمق هذا الخراب وينددون به تحت عناوين الأخلاق والشرف والدين والإنسانية، ومع ذلك يهللون للحروب ولحمل السلاح بحثا عن الانتصار بغض النظرعن نتائج ذلك.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران