كتاب وأراء

إنما أنا شافع!

كانتْ «بريرة» عبدةً مملوكة لأُناسٍ من الأنصار، وكان لها زوج اسمه مغيث، واشتاقتْ نفس بريرة للحرية فكاتبتْ أسيادها لأجل إعتاقها، وبعد أن تمَّتْ المُكاتبة، وسدَّدتْ بريرة ثمن حريتها، كان أول قرار اتخذته أن تُفارق زوجها مغيثاً! فالشرعُ يُعطي الأَمَة خيار أن تبقى مع زوجها أو تُفارقه إن هي تحرَّرتْ وبقيَ هو عبداً، وقد اختارتْ بريرة أن يكون فِراقاً!
وكان مغيث يُحبها حُباً جماً، ويمشي خلفها في طرقات المدينة يستعطفها أن ترجع إليه فلا تلتفتُ له!
وكان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يسير في الطريق رفقة عمه العباس فرآهما على هذه الحال، فقال لعمِّه: يا عباس ألا تعجبُ من حُب مغيثٍ بَريرة ومن بُغض بريرة مغيثاً؟
وعندما يئِس مغيث من عودة بريرة إليه قصدَ النبي صلى الله عليه وسلم ليُكلِّمها أن ترجع إليه، فأرسل النبيُّ صلى الله عليه وسلم في طلب بريرة وقال لها: يا بريرة لو راجعته فإنه زوجكِ وأبو ولدكِ
فقالت له: يا رسول الله.. تأمرني؟
فقال: إنما أنا شافع
فقالت: لا حاجة لي فيه!
من ناحية دينية فإن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم هو نبي هذه الأمة، ومن ناحية سياسية فإنه رئيس الدولة، ورغم هاتين المكانتين الساميتين لا يردُّ عبداً مملوكاً طلب منه خدمة! فهل مشينا نحن في حاجة ضعفاء المسلمين وفقرائهم أم تذرَّعنا بانشغالنا تارة، وبأنهم ليسوا على قدر مقامنا تارةً أخرى، ناسين أو مُتناسين أن كلنا لآدم وآدم من تراب؟!
وانظُرْ لأدب بريرة لو أمرها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن ترجع إلى مغيث فإنها كانت سترجع رغم أنَّ رجوعها على غير هواها، فهل قدَّمنا شرع الله وأوامر النبي صلَّى الله عليه وسلَّم على أهوائنا ومشاعرنا ورغباتنا؟، هل فعلنا الحلال الصعب على النفس، وتركنا الحرام الذي نميل إليه بنزعتنا الإنسانية لا لسببٍ سوى أن الله ورسوله أرادا أن نفعل ففعلنا وأن نترك فتركنا؟!
أنتَ مأجور على سعيك للإصلاح بين الناس ولو لم يتم الصلح، نحن لن نُحاسَب على النتائج إنما سنُحاسَب على ما فعلناه، ثواباً للخير ووِزراً للشر بغض النظر أثمر الخير أم لا، وآذى الشر أم لا، فلا يقُلْ لك الشيطان لا تمشِ في الصُّلح بين فلان وفلان لأنهما لن يقبلا وساطتك! ما ضرَّك إن لم يقبلا، لا تأخذ الأمر على محمل شخصي، هذا نبيُّ الأُمَّة لم تقبل امرأة كانت بالأمس مملوكة شفاعته، فلم يغضب ولم يحمل عليها!
هذا الدين كرَّم النساء، واحترم رغبات قلوبهنَّ، امرأة لا تُريد رجلاً فلم يُجبرها النبي صلَّى الله عليه وسلَّم عليه، فعندما ترفضُ ابنتك عريساً فلا تُجبرها عليه، لأنَّ في هذا ظلما لها وله! وفيه عدم حفظ أمانة فالله سبحانه وضع ابنتك عندك أمانة وهو ينظر إليك ما تفعل بهذه الأمانة، فالله الله في قلوب النساء!
بقلم: أدهم شرقاوي

أدهم شرقاوي