كتاب وأراء

استفاقة شفاه الحياة !

بقلم: د. سعاد درير
كاتبة مغربية
الرجُلُ منهم يحتاج إلى أن يَقُودَ جيش رغبته في اتجاه رحلة البحث عن النضج، صَدِّقْ يا صديقي أنه النضج عقلا وقلبا، لكن مِن أين له أن يَجِدَ ضالَّتَه في امرأة واحدة؟!
لِنَقُلْ إنه صاحِبُنا الروائي الفرنسي «أونوريه دو بلزاك Honoré de Balzac» الذي وَجَدَ حَلاًّ للمعادَلَة الصعبة، وكيف؟! ما كان ذلك ليتحقق إلا من خلال تجربته التي أَفْضَتْ إلى إيمانه بالمرأة ذات الأربعين..
أيّ رجُلٍ هذا الذي سيَغيب عنه أن المرأة ذات الأربعين سنة تُعطيه كل شيء، بسَخاء وحُبّ قَلَّ نظيرهما، بينما المرأة ذات العشرين لن تُكَلِّفَ نفسها إلا أن تأخذ منه، تأخذ منه كل شيء؟!
إنها الخِبرة، نَعَم، إنها الخبرة التي أَعْطَتْها الحياة للفرنسي الرقيق «أونوريه دو بلزاك»، بعد أن اخْتَمَرَتْ تجاربُه العاطفية، وثَبَتَ له بالحجة الصادقة أن المرأة ذات الأربعين خلاَّقة للحُبّ، وخَلاَّقة هي أكثر فأكثر للظروف المشجعة على حياة الحُبّ..
في وَسَطٍ فقير نشأ الكاتب أونوريه دو بلزاك، وكان حظه من دنياه حقلٌ خصب من الفقر الذي لا يَعِدُ بحصاد بعد أن فشلَتْ عائلته في تجاوز محنتها الكبرى مع القاتل الصاخب (الفقر)..
بمدينة «تور Tours»، ما طاب لصاحبنا أونوريه دو بلزاك أن يرى النور، لماذا؟! لأن التربة التي نشأ فيها لم تشجِّعْهُ مطلقا على أن يقطف شيئا من عِنَب اشتهاءاته..
من مدينة «تور» الفرنسية سيَشُدُّ أونوريه دو بلزاك الرِّحال إلى باريس بعد أن اشتدت أوضاعه الاجتماعية تفاقفا نتيجةَ سَوط الفقر الذي كان يَجْلِدُه دون مناسَبة، ولا غرابة أن يَكون الفتى أونوريه دو بلزاك أكثر مَن دَفَعَ الثمن في هذه الظروف التي لا يَرحمك فيها الزمن..
في غرفة منقطعة عن العالَم سيُجَرِّبُ أونوريه دو بلزاك أن يرى الحياة من ثقب إبرة، ومتى؟! بعد أن تمرَّدَ على أُمِّه التي ما كانت قسوتُها لتسمح له بأن يَمُدَّ إليها حبلَ التفاهم الذي كان يَلْتَفُّ حول عنُقه ليُضَيِّقَ عليه الخناق أكثر فأكثر..
إنها سُلْطَةُ الأُمّ التي لا ترغب في احترام رغبة «أونوريه دو بلزاك» في الإخلاص لهواياته الأدبية ومُيوله إلى الكتابة ورَسْم حدود الكلمات..
ولا غرابة أن تَكبر في أُمِّه هذه القسوة وتَتَمَدَّدَ بعد أن فشلَتْ هي الأخرى في تأمين مستقبل العائلة بعيدا عن الفقر الذي كان يُلقي بها من السُّلَّم كلما أرادت القفز خطوة إلى الأعلى..
تجربة الزواج الفاشلة التي خاضتها أمُّ أونوريه دو بلزاك لم تشفع لتحسين واقع الفقر الذي كانت تتآكل تحت وطأته، والمؤسف أن سقوط الأنثى في حفرة الرجُل المسنّ يزيد المسألة تعقيدا..
فارق السنوات الكثيرة التي جعلت الأُمَّ الشابة ترتبط برجُل مُسِنّ ما كان له أن يُثْمِرَ شيئا يُحمَد، فما تَرَكَ لها هذا المسنّ إلا الخيبة الثقيلة التي حالت دون أن تبلغ الأُمُّ سقفَ تَطَلُّعاتها..
والضحية رقم «1» دائما أونوريه دو بلزاك، لماذا مرة أخرى؟! لأن الأمّ غير المؤمنة برغبة «أونوريه دو بلزاك» في الارتماء بين أحضان الأدب دفَعَها مارِدُ الظروف المتجبِّر إلى أن تُحكِمَ قَبْضَتَها على بلزاك ليَستجيب لرغباتها في تفصيل مستقبله المهني على مَقاس اشتهاءاتها الباحثة عن الحرية..
إنها الحرية التي تصورت الأمُّ أنها ستنقذها من مخالب الفقر وأنيابه ما أن يُفْلِحَ بلزاك في اجتياز دراسة الحقوق بنجاح طمعا في مهنة مشرِّفة وحافظة لماء الوجه..
لكن هيهات أن يمتثل بلزاك لرغبة أُمِّه، وهذا ما جعله يُفَضِّل الغرفة الحقيرة التي يَجِدُ فيها متنفَّسا لقلمِه وخياله المنغمس في حوض الواقع، يُفَضِّل هو هذه المجازَفة بعيدا عن مطرقة القانون على أن يَنقادَ لسطوة أُمِّه التي تسلحت بمقصّ القسوة حتى لا تخفق في الوصول إلى عدم انفلات الأبناء وإعلان عصيانهم وتمردهم.
من النافذة الضيقة لتلك الغرفة المنعزلة كان أونوريه دو بلزاك يرى العالَم كما لا يراه الآخَرون، ومن يُصَدِّق أن بلزاك في هذه الظروف القاتمة سيَجِدُ إليَدَ الحنون والْمُحِبَّة التي تمتد إليه بِنُبْلِ امرأةٍ لا يَخونها زمنُ الحُبّ!
إنها المرأة ذات الأربعين تلك التي تَوَسَّدَ حضنَها أونوريه دو بلزاك ابن العشرين، صحيح أن التفاوت العمري بينهما كان صارخا، لكن الحقيقة تَقول إنها المرأة الأربعينية التي تختزن في قلبها فائضا من العاطفة..
لِنَقُلْ إنها العاطفة التي تَدَّخِرُها المرأة الأربعينية للحبيب الذي لم يأتِ بعد، فحين يشاء له القَدَرُ أن يحضر سيَجِدُ عندها ما لا تقوى ابنة العشرين على أن توفره له..
تلك هي الخِبرة الفياضة التي يحتاج إليها الرجُلُ، وهي تجربة مِن المؤكد أنها ستُفْضِي بالرجُل إلى أن يَستعيد ويَسْتَرِدَّ الكثيرَ من مشاعر الأمومة التي تُذَكِّرُه بزمن الحرمان..
أونوريه دو بلزاك يَعرف جيدا تاريخ الفقر الذي جعل أُمَّهُ تَضَعُ قلبها جانبا لتقوى على مقاومة الظروف القاهرة، لذلك فإنه وَجَدَ في المرأة الأربعينية التي أحبها وبادلته الحُبَّ ما يُذَكِّرُه بحضن الأُمّ الغائب..
هي بالتالي مشاعر المرأة الحبيبة تَتَّحِدُ مع مشاعر الأمومة التي غابت عن حضن الأُمّ الحقيقية في ظِلّ قسوتها وجفائها، كل هذا تَجَسَّدَ في كيان أنثى أربعينية سَقَتْهُ (أونوريه دو بلزاك) مِن يَنْبُوع قلبها ما لا يَتَهَيَّأُ لامرأة عشرينية..
ولأن العلاقة الخاصة بين الرجُل والمرأة تحتاج إلى خِبرة أنثى لا تَجهل خريطة الوصول إلى قلب الرجُل وعقلِه، فقد رَتَّبَ القَدَرُ لـِ «أونوريه دو بلزاك» موعدا مع الحُبّ الذي يَسَعُ الكاتبَ المنفي في غرفة أن يَمْتَصَّ فيه جُيوبَ القلب تلك المشجِّعة على إثراء عُمْلَة الخَيال الخِصب الذي يتوق إليه حامِل القَلَم..
تَنَبُّؤاتُ المرأة الأربعينية سَرجت خيولَ الزمن لتمضي بأوراق بلزاك إلى أبعد ما يحلم به العقل، ولذلك أَهَّلَتْهُ الغرفةُ البعيدة للإنصات إلى ما تقوله بصيرته التي لا تَكفر بكاتب يَزرع الوردَ في حقول الشوك مُبَشِّراً بحَصاد لا تُكَذِّبُه عينُ الأيام..
يمضي الزمن بقلم الكاتب الجَسور أسرع مما يتصوره عقلُ قارئ يُجيد اختبار المكتوب، فإذا بأحلام الشباب تتفتَّح، وإذا بكتابات بلزاك تَعرف الانتشار الذي لا يُصَدِّقُه القارئ المتعطش..
عقارب ساعة الزمن تَدور، ثم سرعان ما يَخرج تاريخ بلزاك إلى النور، وإذا بعالَم الكتابة المغلَق يفتح لكاتبنا أبوابَ مُدُن المجد والشهرة، وإذا بالمال يتساقط من أعلى سُلَّم النجاح ليُحَقِّقَ للكاتب الأمان الذي كان غائبا عنه..
لكنها لعبةُ الزمن السخيفة تَسرق من عينيك الضَّوء، وإذا بشجرة العمر تُهَدِّدُ بسقوط الورقة الأخيرة وما كان الكاتب أونوريه دو بلزاك قد تجاوز الخمسين سنة..
خمسون سنبلة، خمسون سَلَّة حُلم، خمسون رغبة، خمسون قُبلة على خَدّ الحياة الشقية تلك التي لا تَعِدُكَ وتمنيك، لكنها لا تُعطيك شيئا إلّا لِتَسرق منك شيئا أغلى..
حصان العمر ما عاد يَركض بعد أن استفْحَلَ المرض وسَيَّجَ الجسدَ العليل لبلزاك، وكان ذلك من نتائج السهر الكارثية التي ما كان صاحبنا بلزاك لينتبه إليها وهو ينصهر تحت خيمة الليل باحثا لفِكْرِه عن آفاق..
يَمُوت أونوريه دو بلزاك، لكن قلمَه لا يموت وقد دَوَّتْ قُبَالَتَه تصفيقات المعجبين والمعجبات بواقعيته مِن قُرَّائه الذين رسَمُوا البسمة على شفتيه بعد أن كان قد نَسِيَ في رحلة جِهاد القَلَمِ تَفَتُّحَ وردِ الثغر واستفاقةَ الشفاه المستلقية قريبا من تلال الخَدّ..
وَردة على قبر بلزاك، وتحية أحرّ من جمر الأيام.

سعاد درير