كتاب وأراء

أوراق تتساقط بين سريرين!

بحبر الدكتورة سعاد دريركان الغروب في مرآة عينيّ العاشقتين لكل جميل يتراقص كخصرِ حورية يتلَّوى لِيضُيء بجاذبيته الأفُقَ النائم، فإذا به يَزيده سحرا وبهاء، بينما كان صوت شجِيّ يَعتصر الحنينَ إلى امرأة تُعشَق بحروف ذائبة، ذائبة ذوبانَ ساعات الشقِيّ سلفادور دالي:
«أيا داعيا بذكر العامرية إنني
أغار عليها من فَمِ المتكلمِ
أغار عليها من ثيابها
إذا لبستها فوق جسم منعم
أغار عليها من أبيها وأُمِّها
إذا حدثاها بالكلام المغمغم
وأحسد كاسات تُقَبِّلْنَ ثغرَها
إذا وضعتها موضعَ اللثم في ألفَمِ»..
عالَم حالِم كان يَنتظرني في ذلك المساء لأبثَّه شجوني برؤيةٍ لامرأةٍ طفلةٍ تنتفض قبالة الأمل الهارب لِتَفِيضَ كالنهر بين ضفَّتَيْ أمٍّ وأَبٍ لا تَعرف غيرهما ولا تنبض بسِواهما..
أن أُرافقَ الأبَ والأُمَّ في رحلة إلى القلب لِأَعزف على أنغام أيام مارتشيكا لَهُوَ أعزّ ما يُطلَبُ، ومتى؟! على مشارف زمن الوصول إلى أَبْعَد مدى من الارتقاء على السُّلَّم الجَمالي ببحيرة مارتشيكا المتموقعة شمالَ المغرب غير بعيد عن مدينة الناظور..
كأنه حُلم يَعبر ليلةَ صيدٍ لِيُعَلِّمَ العينَ كيف تنحني للجمال، كل شيء كان آسرا وساحرا ولألاءً، وأكثر ما كان يزيد المشهَدَ سخاءً هو أنه شَكَّلَ إطارا خصبا للسياحة العاطفية التي كنتُ محورَها وموضوعها وأنا أُرَطِّبُ شفاهَ القلب بالكثير من حنانِ أبي الذي كان يملأ فراغَ الروح في ظل غياب الرجُل تَوأم الروح..
كل هذه الأوراق التي أُطْلِعُكَ عليها يا صديق أيامي الحلوة والْمُرَّة تساقطت كالجمر المتدفق من حِممَ بركان، وما كان البركان ليشتعل في مكان آخَر غير مُرَبَّع أضلُع الصدر الذي شَكَّلَ حلبة لأحزاني التي تَفَاقَمَتْ نهاية شهر غشت الماضي، ومازلتُ إلى الآن أصارع كابوسَها ليلا..
كان يوما لا كالأيام، تَعَطَّلَتْ عربةُ حياتي، وانصَرَفْتُ عن كل شيء، ومَن كان ليصَدِّقَ أن تتعرض أُمِّي لحادث في ظروف سيئة جدا عجَّلَتْ بملازمتها للسرير بغرفة منفردة بالمستشفى بعد أن خضَعَتْ لعملية جراحية دقيقة استَغْرَقَت الساعات لمحاولة لملمة شتات عظامها التي تَهَشَّمَتْ من الكتف إلى المرفق..
كان أبي يأخذني بسيارته كل صباح إلى البيت لأغير ملابسي وأرتب نفسي في دقائق قبل أن يُعيدني إلى الغرفة التي أقيم فيها مع أمي النهار والليل بالمستشفى، من كان يُصَدِّق أن أبي يَسقط بشكل صادِم في الأيام التالية لأسباب غامضة، يتعرض أبي لجلطة، نعم، جَلطة، وأُمِّي طريحة السرير..
يَقَعُ أبي أرضا بالغُرفة نفسها وهو يَطَّلِع على حالة أُمِّي في المستشفى، الإغماء ينتشل أختي الكبرى وآخرين، بينما تفتح لنا الدموع أحضانها، يتدخل لاحقا فريق من الأطباء الذين يلتقطون أبي من الأرض..
مشهَد لا يُصَدَّق، لم أصدِّق أن أبي رحَل بهذه الطريقة المفجِعة، شريط حياتي استعرضْتُه في أقوى لحظاته وعينايَ مشتعلتان.. التحَقْتُ بمكتب طبيب مختص رفقة أخي لنسمع أن الأمر يحتاج إلى ضبط النفس، فليس أمامنا إلا أن ننتظر 24 ساعة لنعرف إن كان أبي سيبقى على قيد الحياة..
كان زوجي بعيدا، هاتَفْتُه وأنا أَبْكِي بحرقة، انْهَرْتُ على الأرض قبالة باب طابق الإنعاش ودفنْتُ رأسي بين كفَّيَّ، توقف عندي العالَم، أدركْتُ أن نهايتي آنَتْ وقد غابَتْ شمس أبي.. في كل تلك العتمة كان يتسلل إلىَّ من نافذة الذاكرة صوتُ أبي وهو يَتْلُو القرآنَ فجرا..
بعد أيام مَكَـَث فيها أبي بغرفة الإنعاش تَمَّ نقلُه إلى غرفة أمّي، لم نُصدق أن أبي عاد إلى الحياة.. قال الأطباء إنها معجزة، وجلستُ بين سريرين بالمستشفى أحاول تأريخَ المشهد وترتيبَ الذاكرة..
إلى الآن لا أَعْرِفُ كيف يمكنني تحمُّل أن أَغِيب عن أبي، أتفقَّدُ دواءه، أختلس النظر إليه لأقرأ ما تَكتبه ملامح وجهه.. أحِبُّ أن أسمع صوتَه الحنون العطوف، تعلَّمْتُ منه الحكمة، تعلمتُ منه التواضع، تعلمتُ منه الحمد والشكر، تعلمتُ منه الصبر، تعلمتُ منه أن أشمخَ، ولن أموتَ إلا واقفة..
نافِذَةُ الرُّوح:
- «بِكُلّ لغات الوَرد أُحِبُّكَ أبي».
- «لو لم أَكُنْ شاعرةً لكنتُ على الأقل شاعرةً بكَ يا أبي».
- «أَوَّلُ رَجُلٍ في حياتي أبي».
- «بيني وبين أبي مسافةُ عِناق».
- «أكبر من مساحة الشوق شوقي إليكَ يا أبي».
- «سنابل الصباح تَغار من نوركَ يا أبي».
- «لو لم تَكُنْ أبي لَكُنْتَ أبي».

سعاد درير