كتاب وأراء

لكني أفقد جليبيباً!

كان جُليبيبُ دميم الوجه، قصير القامة، لا مال له! أي امرأةٍ تقبلُ بهذه المواصفات؟! لا حُسن وجه يُغطِّي على الفقر، ولا غنى يُخفِّف شيئاً من الدمامة! كل ثروته في الحياة أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان يُحبه، ويا لها من ثروة، لو حازها المرءُ ما ضرَّه ما خسِرَ بعدها، فالمرءُ مع من أحبَّ!
ثم ارتأى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن يبحثَ لجُليبيبَ عن زوجة، فقال لرجلٍ من الأنصار: زوِّجني ابنتك! فقال الأنصاري: نِعْمَ عيني يا رسول الله!
فقال له: إني لستُ أُريدها لنفسي!
قال: فلمن يا رسول الله؟
قال: لجُليبيب!
فقال: حتى أُشاور أمَّها! فأتى زوجته، وأخبرها بالخبر، فقالتْ: لا واللهِ ما نُزوِّجه! فلمَّا أراد أن يقوم ويُبلغَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قرارهما برفض جُليبيب، قالت لهما البنت: من خطبني منكما؟
فقالا: رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقالت: أتَرُدُّون أمرَ رسول الله، قبلتُ، ولن يُضيِّعني الله!
وتمَّ الزواج، ثم كانت غزوة، وكان من عادة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا انتهتْ المعركة أن يقول: هل تفقدون أحداً؟ فقالوا: لا يا رسول الله
فقال: لكني أَفقِدُ جُليبيباً، فابحثوا عنه بين القتلى!
فبحثوا عنه، فوجدوه إلى جانب سبعةٍ قد قتلهم، ثم قتلوه، فقالوا: ها هو يا رسول الله!
فأتاه، ووقف عند رأسه وقال: قتلَ سبعةً وقتلوه، هذا مِنِّي وأنا منه، هذا مِنِّي وأنا منه! ثم وضعه على ساعده ريثما يُحفر له قبر، فلما انتهوا، أنزله في قبره.
يُحسبُ للبنت أنها قبِلتْ طلب رسول الله وإن خالفَ هواها، ولكن هذا لا يُلغي أن من حق البنت أن تشترط الوسامة أو شيئاً منها في الذي ستتزوجه، وقد كان عُمر بن الخطاب يقول: لا تُكرهوا فتياتكم على الرجل القبيح، فإنهنَّ يُحببنَ ما تُحبون! وليس في هذا لا قلة أدبٍ ولا قلة دين، بالمناسبة عندما وافقتْ البنت على الزواج من جُليبيب، دعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم لها وقال: اللهمَّ صُبَّ الخير عليها صباً ولا تجعل عيشها كداً كداً! فكانتْ من أكثر النساء مالاً بعد جُليبيب!
أيضاً من حق الأهل أن يختاروا لبناتهم الأفضل وظيفةً وتعليماً، صحيح أننا أُمرنا أن نبحث عن الدِّين أولاً، ولكن إذا اجتمعتْ كل الصفات فنورٌ على نور، وهؤلاء صحابة، ولو رفضوا تزويج ابنتهم لجُليبيب ما أجبرهم النبي صلَّى الله عليه وسَّلم، ولا غضبَ منهم، لكل أُسرة معاييرها، فاحترموا معايير الناس!
على أهمية الشكل والأناقة والمال، إلا أن هناك فارقا شاسعا بين البحث عن هذه الأشياء حين الارتباط، وبين جعلها معياراً للتفاضل بين الناس، ليس بالضرورة أن الأغنى هو الأفضل، فقد خسفَ الله بقارون الأرض، وليس صاحب المهنة مُستقبحاً وقد كان زكريا عليه السلام نجاراً. وكم من وسيم سيدخل النار، وكم من دميم هو من أهل الجنة! أن لا نقبل الارتباط بصفات دنيا شيء، وأن نحتقر الناس شيء آخر، الأمر أشبه بأنك تريدُ لابنك وظيفةً غير كناسٍ للطريق، ولكنك بالمقابل لا تحتقر كنَّاس الطريق!
بقلم: أدهم شرقاوي

أدهم شرقاوي