كتاب وأراء

ما زلنا كما كنا يوم غزانا نابليون

قيل الكثير وكتبت عشرات الكتب عن غزو نابليون لمصر، أو ما عرف بالحملة الفرنسية، وتحدث مؤرخون كثر عن أسبابها وسير أحداثها ونتائجها العسكرية والسياسية والثقافية، وقد امتدت من 1 يوليو 1798 حتى 2 سبتمبر 1801، وكان في الحملة 40 ألف جندي و10 آلاف بحار تم تجميعهم في موانئ فرنسا المطلة على البحر المتوسط، كما تم تجميع أسطول كبير في طولون: 13 سفينة خط، 14 فرقاطة و400 ناقلة.
ليس هذا جيشاً صغيراً، لكن الأهم أنه كان مدججاً بأنواع الأسلحة الحديثة من مدافع وبنادق وغيرها، فماذا فعل المماليك الذين كانوا يحكمون مصر؟ خرج الفرسان على خيولهم المطهمة، وقد زينوها وبرقعوها، وأسرجوها بالسرج المزينة بأنواع الزينة كلها، ومنها ما كان مذهباً، ومنها ما غطي بالديباج والحرير، وأشرعوا رماحهم، أو استلوا سيوفهم الماضية المصقولة.
بدأت المعركة، واندفع الفرسان كما تعلموا وتدربوا، لكن أي التحام بين الجيشين لم يحدث، فقد كانت بضع رشقات من المدفعية الفرنسية كفيلة بوقف هذا الاندفاع، والقضاء على مقدمة الجيش، أما من اقتربوا أكثر فقد تلقاهم الجنود الفرنسيون بنيران بنادقهم، صحيح أنها ليست كالبنادق الحديثة، ولكنها كافية لقتل العدو وهو على مسافة عشرات الأمتار.
ما الذي ذكرني بهذا كله؟ إنه العقلية التي نحارب بها أعداءنا، وينطبق هذا على المجالات كلها، هم يحاربوننا بالطائرة والصاروخ وأحدث ما أنتجت مصانع الأسلحة لديهم، ونحن نحاربهم بقصائدنا وحكاياتنا، وما استنبطنا من المعجزات اللفظية في القرآن الكريم، وباختصار شديد، يحاربوننا بالعلم ونحاربهم بالأشعار، ودون الدخول الآن في معمعة الخلافات السياسية، أقول إن إيران وحدها أدركت المعادلة، وجدت عالماً لا يهاب سوى القوي، ولا يحسب حساباً إلا لمن كانت له أنياب صاروخية والأفضل أن تكون هذه الأنياب نووية.
علمياً، نحن على الهامش تماماً. انظروا حولكم، نذهب إلى المستشفيات، ونذهل بالأجهزة، وننسى أننا لا فضل لنا. نتبارى في اقتناء السيارات والأجهزة الكهربائية، ونغفل عن أنها كلها نتاج العقول الأجنبية، شرقية كانت أم غربية. لقد أهملنا العقل أو شغلناه بما لا يفيد، وهربت العقول المبدعة إلى حيث تجد التقدير والمناخ الصحي لتبدع، ولماذا يتعب الشاب نفسه بالعلم وهو يرى المجد والغنى للمغنين الذين لا يفقهون الموسيقى، وحتى في هذا نحن مقلدون، فنحن عاجزون حتى عن استنباط فكرة برنامج تلفزيوني.
هل تتقدم الأمم والشعوب بكرة القدم وسباق السيارات والحفلات الغنائية؟ لنعد إلى عصورنا الزاهية، ونقرأ كيف حققنا التقدم والقوة، ولنتعلم من تجارب الأمم والشعوب، والأمثلة كثيرة جداً، والعاقل من يتعلم من تجاربه وتجارب غيره.
بقلم: نزار عابدين

نزار عابدين