كتاب وأراء

كــثــيــراً مــا نــقــرأ

{{ كنت قد نشرت في هذه الزاوية شرحاً لمصطلح «قاب قوسين أو أدنى» وقد ورد هذا المصطلح مرة واحدة في القرآن الكريم في سورة النجم «وهوبالأفق الأعلى، ثم دنا فتدلـّى، فكان قابَ قوسين أو أدنى» ويقال: وَقِيبَ قوسَين، وَقِيدَ قوسين، وقادَ قوسين، وقدَى قوسين، كُلّ ذلك بمعنى: قَدْر قوسين، وقيل: إنَّ معنى قوله: {فكانَ قاب قوسين} أنهُ كان منهُ حيثُ الوِتْر من القوس. ولكل قوس قابان، وقال بعضهم في الآية الكريمة: أراد قابي قوس، فقلبه. القاب إذن القدْر، وقيل إن قاب تعني طول قوسين، كل هذا- وبأي صورة ورد- تعبير عن القرب الشديد.
وذكرني بهذا– بعد نشر هذا الشرح بمدة طويلة ربما تصل إلى سنين– صديق عزيز وهو أستاذ كبير في اللغة العربية ونحوها وصرفها وقواعدها، وطلب مني أن أعيد النظر فيما كتبت، وكان رأيه أن قلب الصيغة من «قابي قوس» إلى «قاب قوسين» أوحى بهذا، لكن الحقيقة أنه أقرب، أي من قاب القوس (طرفها) إلى مقبضها، فتكون المسافة أقصر بكثير، وبلغة أخرى «نصف القوس»
وعدت إلى المعاجم مرة أخرى، فوجدت أنني نقلت ما جاء في هذه المعاجم حرفياً تقريباً، وقلت لنفسي: لعل في كلام المفسرين ما يوضح المعنى أكثر، فعدت إلى تفسير القرآن الكريم، ووجدت البغوي يقول في تفسيره (ومعنى قوله: «قاب قوسين» أي قدر قوسين، و«القاب» و«القيب» و«القاد» و«القيد»: عبارة عن المقدار، و«القوس»: ما يرمى به، في قول الضحاك ومجاهد وعكرمة وعطاء عن ابن عباس، فأخبر أنه كان بين جبريل وبين محمد عليهما السلام مقدار قوسين، قال مجاهد: معناه حيث الوتر من القوس، وهذا إشارة إلى تأكيد القرب. وأصله: أن الحليفين من العرب كانا إذا أرادا عقد الصفاء والعهد خرجا بقوسيهما فألصقا بينهما، يريدان بذلك أنهما متظاهران يحامي كل واحد منهما عن صاحبه، وقال عبد الله بن مسعود: «قاب قوسين» أي: قدر ذراعين، وهو قول سعيد بن جبير وشقيق بن سلمة، و«القوس»: الذراع يقاس بها كل شيء) ووجدت الطبري يقول: ( فكانَ قابَ قوْسينِ أو أدنى ): فكان جبرائيل من محمد صلى الله عليه وسلم على قدر قوسين، أو أدنى من ذلك, يعني: أو أقرب منه، يقال: هو منه قاب قوسين، وقيب قوسين، وقيد قوسين، وقادَ قوسين، وقَدَى قوسين, كل ذلك بمعنى: قدر قوسين.
وقال ابن كثير في تفسيره (وقوله تعالى: «فكان قاب قوسين أو أدنى» أي فاقترب جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم لما هبط عليه إلى الأرض، حتى كان بينه وبين محمد صلى اللّه عليه وسلم «قاب قوسين» أي بقدرهما إذا مدّا) وقال القرطبي: (قوله تعالى: «فكان قاب قوسين أو أدنى» أي كان محمد صلى الله عليه وسلم من ربه أو من جبريل عليه السلام «قاب قوسين» أي قدر قوسين عربيتين، قاله ابن عباس وعطاء والفراء) وقال الزمخشري: فإن قلت كيف تقدير قوله: فكان قاب قوسين، قلت: تقديره: فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين، فحذفت هذه المضافات.
{{ كان عبدالله بن عباس رضي الله عنهما ذات أمسية يحدث في الحرم المكي وعنده نافع بن الأزرق وجماعة من الخوارج يسألونه ويستفتونه، وإذ بالشاعر عمر بن أبي ربيعة الأموي مقبل عليه في ثوبين مصبوغين ومورّدين، فدخل وجلس، فأقبل عليه ابن عباس يستشده من شعره، فأنشده رائعته التي مطلعها:
أمن آل نعم أنت غادٍ فمُبْكرُ
غـداة غـدٍ أم رائحٌ فـمهجـِّرُ
فالتفت نافع إلى ابن عباس قائلاً: الله الله يا ابن عباس، نضرب إليك أكباد الإبل من أقاصي البلاد نسألك عن الحلال والحرام، فتثاقل عنا وتنصرف إلى هذا المترف فينشدك:
رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت
فـيخـزى وأمّـا بـالـعَـشـيِّ فـيـخـســرُ
فبادره ابن عباس: ليس هكذا قال إنما قال:
رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت
فـيـضحى وأمّـا بـالـعَـشـيِّ فـيخصـرُ
وللحكاية تتمة ليس هنا مكانها، لكن الذي يهمنا الآن قول نافع «نضرب إليك أكباد الإبل من أقاصي البلاد» وهذا مصطلح شائع في تراثنا اللغوي والأدبي، وفي الحديث: لا تُضرب أكباد الإبل إلا إلى ثلاثة مساجد، وروي الحديث: لا تُشدّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد، ونستنتج من هذا أن ضرب أكباد الإبل يعني جدّ في السير وأسرع، فكأنه يضرب البعير على كبده ليسرع الخطى
{{ هذا مثل لم يعد أحد يستخدمه الآن، فنحن نقرأ: وتغير عليه، وأنكر صحبته، وانقلبت الصداقة إلى عداوة، ولم يعد للمودة مكان بينهما، ولكن هذا كله يُعبَّر عنه في الأدب القديم بهذا المثل «قلب له ظهر المِجَنّ» ويضرب لمن كان لصاحبه على مودة ورعاية ثم حال عن العهد. والمجن هو التُرس، وهو مشتق من الجُنّة وهي السُترة، وجنَّ الشيءَ يجنه جَنّاً ستره، وكل شيء جُنَّ عنك فقد سُتر عنك، ونقول: جَن عليه الليل، أي ستره، ومنه أيضاَ الجِنّ لاستتارهم واختفائهم عن الأبصار، ومنه أيضاً الجنين لأنه مستتر في بطن أمه. قال الشاعر
بينما المرءُ رخِيٌّ بالـُه قلب الدّهرُ له ظهرَ المِجَنّْ
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الصوم جنّة» أي وقاية وحماية.
{{ ومن هذا ننتقل إلى وصف قرأناه كثيراً في الأدب القديم، وما زلنا نقرؤه وهو «ماجن» فنقرأ: كان شاعراً ماجناً، وقد يضيفون إليه فاسقاً أو ما شئت من ألقاب سيئة أخرى، ونقرأ: وانتشر المجون والخلاعة، والأصل في هذا فعل «مَجَن» ولا علاقة له بالأخلاق أو السلوك أو سوء التصرف والسلوك، بل يعني صلـُب وغلـُظ، ومنه اشتقاق لقب «ماجن» لصلابة وجهه وقلة استحيائه، وهذه عبقرية من اللغة العربية، أتذكرون معنى مماثلاً حين تحدثنا عن الصفاقة والصفيق الوجه؟ والماجن عند العرب: الذي يرتكب المقابح المُردية والفضائح المخزية، ولا يمضّه عذل عاذله ولا تقريع من يقرّعه. والمجن: خلط الجد بالهزل. يقال: قد مَجَنت فاسكت، والمجون: أن لا يبالي الإنسان بما صنع، وقالوا: الماجن من الرجال الذي لا يبالي بما قال ولا ما قيل له كأنه من غلظ الوجه والصلابة، والجمع مُجّان، وبالمناسبة، نقرأ في الإعلانات «اشترِ واحداً وخذ الآخر مجاناً» وهذا صحيح لغوياً، فالمجّان عطية الشيء بلا مِنّة ولا ثمن.

نزار عابدين