كتاب وأراء

بوينو .. مر يا لوز الحب !

بقلم:
د. سعاد درير
كاتبة مغربية
لمواسم الأنوثة الحالمة عطرُ أجواء طقسٍ مُقَدَّس وزخم مناخِ حالةِ هذيان يُبحِرُ فيها الإنسان قبلَ أن يمدّ يَدَه لالتقاط شيء مِن المرجان ذاك الواعد به زَمَنُهُنّ.. إنه زَمَنُهُنّ، وأنتَ الأَدْرَى بِمَنْ يَكُنّ، صَدِّقْ يا صديقَ أيامي الحلوة والْمُرَّة..
والشاهد؟!
أُنثى في كامل زَهْوِها، وحضورها الْمُوَشَّى بِوَرد الحُلم الموغِل في الوداعة، قد لا تختلف صورتها عن صورة أميرة أندلسية هاربة من التاريخ العَصِيّ عن عدم الانقياد والطاعة..
لِنَقُلْ إنها أميرةٌ بعبقٍ أندلسِيّ في جمالها العربي الحالِم ذاك المصوَّر ببراعة، في نظرتها الدافئة بأَلْسِنَة لَهَبِ الحُزْن الدفين، في نَقاء بياضها المعادِل له بياض الثوب الأَصْفَى مِن شربة ماءٍ زلال تَسْتَكْثِرُهُ أنتَ على أنْ يُفْرَغَ في الطِّين..
بين الحُسْنِ والمرأة ما بين الفنجان وقِطَع السُّكَّر، وكُلَّما ذابَ البعضُ منهما في البعضِ الآخَر تَرى الواحدَ منهما يَقول لِسِواه: أُحِبُّكَ أَكْثَر..
لِنَقُلْ إننا في حضرة الإسباني الأنيق الريشة، والبَليغ الألوان، بِيدرو بوِينُو الفنان (Pedro Bueno)..
في أواخر سنوات حياته يَزدان المشهد الفني التشكيلي عند الجميل بيدرو بوينو بواحدة من أَشَفّ وأَرْهَف لوحاته التي تُداعِبُكَ بإحساس حالفةً أن تَحبس فيكَ الأنفاس تلك التي كانَتْ تُقاوِم الاختلاس..
إنها لوحة «الرسالة» (La carta) النَّقِيّة تلك التي تَتَوَسَّدُ راحةَ أنثى حَيِيَّة، فإذا بها تَحكي عن الذي كان، وتَرويه بِأَرْيَحِية، مع أن شيئا مما كان مازالَت تَنقصه بَقِية..
لِنَقُلْ، إنها حكاية سيدة الأنوثة النابض فيها الضوء، كيف لا وهي تُنازِل القمرَ من عَلٍ لتَضْرِبَ له مَوْعِداً على الأرض..
بيدرو بوينو الفنان التشكيلي الذي ينحدر من قرطبة الأندلسية نَراه يَعبر مسافةَ عمره (الذي تجاوز الثمانين سنة) ليُحَلِّق بروحه الهائمة في بحر الألوان الهادئة تلك التي ينبعث منها الجَمال كما تَشتهيه العيون..
ولأن لُغَةَ الريشة لسانُ سَيِّد الفنون، فقد كان من الطبيعي أن يَصول بيدرو بوينو ويَجول مُوثِراً التنقل والترحال مِن مكان إلى مكان، مسابِقا ظلال الإعلان عن الْمَعارض التي يَنوي الساهرون على أفكارها تنظيمها هنا أو هناك..
فنان خبرَ الغوص عاريَ الروح في بحيرة الألوان ما كان له إلا أن جادَ وأجادَ بكل المهارة والإتقان، فإذا بعواصم العالَم التشكيلي تَنصبه أكثر من مرة سَيِّدًا على عرش ألفَنّ، ومن ثمة آنَ له أن يَقطف بإلحاح ما شاء مِن دالية النجاح..
عناقيد دالية التألق والشهرة والانتشار استجابَتْ لرغبة بيدرو بوينو في اعتصار عِنَبِها حَبَّة حَبَّة، فإذا بسُكَّرِها يَستدرجُه إلى أرائك سُكْرٍ ما ألَذَّه، سُكْر هو لا ينتشي به إلا العباقِرة من رجال الفنّ..
حُقَّ، بهذا، لكلية الفنون الجميلة أن تَحفل بأنفاسه العبقَة وهو الأنيق الريشة (بيدرو بوينو) يتسلَّل بأنامله شيئا فشيئا إلى خدر سيدة الإلهام تلك التي رَوَّضَتْ ريشته على فن الاقتحام لكل مواطن البهاء تلك التي لا تَغيب عنها مَشاهِد النساء..
أكثر من تكريم حظي به بيدرو بوينو، أكثر من جائزة صعبة المنال ها هو ذا صاحبنا يتلقفها بشوق الراغبين في عبور قارات المجد، وأكثر من لوحة خلابة الأنوثة ها هي تَشهد على عسل شَهدِ الأصابع الْمَرِنَة في تركيب مؤثِّثات الْمَشْهَد الحياتي الدافئ بنظراتهن القوية الحضور..
حضور قل نظيره كان من نصيب الفنان بيدرو بوينو الذي لم يستكثر عليه قَدَرُه أن يحمل ميدالية مستحقَّة من واحد من المعارض التي ثَمَّنَ بها مسيرته الفنية، فكان من نصيبه أن ثَمَّنَتْ نِضاله الفني..
مَشاهِد تتصبب حياةً ها هي ذِي تنقلها إلينا لوحاته بِسَخاء، مَشاهِد هي دافئة بالحُبّ الخالد وحتى الحُبّ المعَلَّق ذاك الذي يستعصي على الروح أن تُقاومَه مهما خَبَتْ وذبلَتْ قوة إيماننا بتفوق أبطال لوحاتِه على الحُبّ..
لكن، أكان حقيقةً أن يتفوق أبطال لوحات بيدرو بوينو على الحُبّ؟!
لِنَقُلْ إنه شيء من الوهم الذي يُجانبُ الحقيقة، لماذا؟! لأن لوحة في مستوى قدرة لوحة «لاكارطا» (التي سبق أن أشرنا إليها) على التعبير والتصوير ستَدحض وتُبطِل أيّ زعم من هذا القبيل..
لوحة «لاكارطا» للرقيق بيدرو بوينو لن تُشَكِّكَ في قدرة الحُبّ على الانتصار على بطلة اللوحة المسكينة، ومن ثمة يَسجن الحُبُّ في بئره السحيقة صرخة القلب الدفينة..
إنها يا صديقي صرخة قلب الأنثى النَّدِية برَذاذ أوراق شجرة الحُبّ تلك التي لا تموت، تموتُ روح الأنثى، ولا يأذن قَدَرُها لشجرة الحُبّ أن تموت كما يمكن لكل خلية فينا أن تَموت..
شجرة الحُبّ التي يتضح جَلِيّا كيف أن بطلة لوحة «لا كارطا» قد قضمَتْ شيئا من تُفاحها لا غرابة أن تُراوغ الفصول وتحتال على الأيام، لماذا؟! لِتَزْرَعَ السُّهْدَ في العيون البهية وتُحَرِّمَ على القلب الذليل أن ينام..
أشواق، حيرة، ألم، صبر، عناء، دموع خفية تزيد مشهد الحسن بهاء..
مسافة الاتتظار المرهِقة لقدمي الروح قَضَتْ بأن يَذبل الورد الذي كان يَلهث لإدراك موعد اللقاء..
ومساحة الأشواق الْمُخَبَّأة للحظة العناق حالَتْ دون حفاظ فاكهة الحُبّ التي كانت أكثر من طازجة على رونق المظهر وحلاوة الجوهر..
كل شيء حُلو يصير أكثر من مُرّ.. وكل لحظة صفاء يحكم عليها قَدَرُها بأن تموت قبل أن تَمُرّ..
وضعية الجسد عند الأنثى القارئة للرسالة تبشِّر بشيء من الصمود، لكنها توحي أكثر فأكثر بضمور عضلات فقرات عمود الروح..
شحوب الكرسي المصلوب على ذاكرة الوجع يَقول ما قالته السماء الملبدة بغيوم الحزن في يوم غاب فيه قمر الأمل..
شحوب لون غطاء الطاولة يُكَفِّنُ حطبَ الروح الباردة..
كآبة الجو النفسي لبطلة المشهد المعادل لها شحوب الفضاء تَبعث على الانبطاح في مُدُن الرثاء..
وفستان البطلة كسرةُ نَدَمٍ معلَّقة على حبل الحاضر الكسيح هذا الذي لا تحتويه مناديل علبة الأيام..
جسدُ البطلة صارخ بالرغبة في فَتح أفواه الجِنس الآخر من فَرط تهييجه لجذوة الحلم بلقاء مصيري يَعلو فيه صوت الأنوثة الشبق قبل أن يخذلها زمن الحُبّ..
وطأة زمن الانتظار قاسية، والكلمة للمفتاح تكمن في الرسالة (لا كارطا) تلك التي أعادت كتابةَ قَدَر البطلة..
ماذا أمامنا؟!
أكثر من مفتاح هنا، أكثر من مَدْخَل إلى حلّ شفرة الرسالة: سواد الشَّعر المسترسِل كلقاء دافئ عند منتَصف ليلة صَيف، رقدة العينين الحالمتين بمطر الدفء، بياض البشرة الأمارة بإشعال غابة الرغبة.. وأكثر من مؤشِّر دالّ على ربط حزام الحنين إلى مهد الأندلس الجنة المفقودة في صورة ثوب أنثى عربية لا تنقص خلاَّقها النية في الرقص على حبل الرمزية..
على طاولة الحُبّ الذي ألغى موعدَه، وانتشل حذاءه زمن الخذلان، ثمة فاكهة حزينة (إجاص وما إلى ذلك) استعصى عليها أوان قطفها بين شِفاه عاشقة تُجيدُ امتصاصَ الحلاوة الْمُؤَجَّلة.. ووَرد يَبكي تَبَدُّدَ لقاءٍ لم يَطِبْ لِقَدَرِه أن يتحقق في حينه..
العينان سفينتان هاربتان من بحر الشوق إلى بحر الندم، والشفاه غاربة شمسُها الواعدة بأَلْفِ شروق وشروق.. والكَفَّان المتعَبتَان تُجيدان التواطؤ ضد بطلة المشهد مع الزمن الناقم على الحُبّ..
تُفَّاحةُ الحُبّ المشتَهاة تأكلها نيران الغياب، وحقيبة الماضي أَمْسَتْ صندوقَ ألغام يُتْقِنُ حَشْوَ الرصاص في قلب الذكريات المتساقطة تساقطَ مطرٍ يَعِدُ بالخراب..
إنها الذات، الذات المعذَّبة في جسد فتاة، فتاة هي في عُمر الصّبا الذي يتصارع على رُمَّانه العُشَّاق الوالهون، لكنه الصّبا الأكبر من عمره الحقيقي عندما يَسكنه الحزن، مع أنه الحزن الذي لا يقوى على طمس شيء من السِّحر الجلي والحسن الدفين والرغبة المخبأة داخل فستان لم تَشُقّه أصابع خالق فنان (يبدع في العلاقة مع المرأة الملاك) في صورة إنسان..
مشهد هذا ما أكثر أن تَعيش الأنثى بطولتَه على امتداد قصص الحُبّ التي تُخْفِقُ فيها هي معلنة سقوط خَيْلها تباعا..
خلافا للوحات بيدرو بوينو الأخرى التي تُعَرِّي خضوعَ المرأة وانكسارها تحت سَوْطِ جَلاَّدِها خلف قضبان الزمن، سترى يا صديق أيامي الحلوة والمرة كيف أن سيدة لوحة «لا كارطا» لا تخلو من شموخ الكبرياء تلك التي تنتصب انتصاب عَلم..
إنه قطار الندم يَحرق المسافات على سكة الحسرة، لكنه الندم الذي لا يُهين إطلالة أنثى لا تَخجل من أن تسمح للمتلقي الذواق بأن يَتَسَلَّقَ نخلة جِيدها الباسقة (كجِيد الرئم/ الظبية) كمدخل للتمرد على سطوة الانكسار..
هذا ولا غرابة أن تُعلن لوحات أخرى لبيدرو بوينو ثورة المارد الذي يَسكن الأنثى ويتفوق على لحظاتها الصعبة وظروفها العصيبة فاتحا المجال لسيادة تاء التأنيث ولو تحت عباءة الحزن..
الانتصار لِمَشاهد الأمومة الدافئة بحضنها شكلٌ آخر من أشكال التضامن مع الأنوثة المهَرَّبة في زمن الأسياد العَبيد، فإذا بالْمُصَوِّر بيدرو بوينو يُمَرِّر أكثر من رسالة بصرية مفادُها الحاجة إلى حِسِّهِنّ الأنثوي المرهَف في ظل الاعتراف المعلَن بلمسات الريشة عن عالم لا يَطيب تزامنا مع امرأةِ تَغيب..
في لوحة «لا كارطا» للحسّاس بيدرو بوينو، صَدِّقْ يا صديقي أنكَ ستَصِل يقينا إلى أن زمن الانتظار يُفَصِّلُ الحضور على مَقاس الغياب، وبالْمِثْل فإن الأوقات الحُلوة تستحيل أشقى من عتمة حفرة العذاب..
كأنها حياة أنثوية محمولة على كَفّ عفريت، لكنه العفريت بيدرو بوينو الماهر في اللعب بالرمزية عبر أكثر من إسقاط يحاول من خلاله التمويه تارة والتضليل تارة أخرى..
حضور المرأة في معارض بيدرو بوينو لا يحجب إحساسَها بالغياب، حضور هو يبعث الإحساس ببرود الزمن الكابح لمشاعر من العبث ألا تَستسلم لصوتها الخائر، ومتى؟! في دجنة مواعيدها المؤجَّلة مع الحياة كما لم تتذوقها..
أنفاس عاجزة عن الاختلاس في إطار لوحة بيدرو بوينو، ضوء حرية عاطفية يتسلل إليكَ من ثقوب غربال الوقت هذا الكافر بساعة القلب، وجبروت حُلم ما لبِثَ أن فارق بيضةَ ديك الهوى الذي أقسم أَلاَّ يَصيح..
أعباء روح مافتئت صرخة صوتها المذبوح تستجدي النظر إلى صبيتها الحسناء بعين الأمل في إنصافها، وقصيدة شِعر حزين تكتبها العينان الهائمتان في جدارية الحُبّ المعلَّق من باب رثاء ربيع المشاعر ذاك الذي هرَّبَتْهُ دموع الشتاء..
ولأن للروح نوافذ، فإن الكلمة العميقة تَكتبها العينان، وأين؟! في مَشْهَد لوحة بطلتُه امرأة حُبلى بهموم الإنسان، هموم هي لا تجرؤ على أن تَفتح باب الدموع حتى تُخْمِدَ جمرة الأحزان..
هما عينان تَراهما تتساءلان، كأنهما تَقولان: لماذا؟!
لماذا؟ لماذا يَضيع في رمشة عين كُلُّ شيء كان مُرَتَّباً لِمَوعِد لم يَلتزِم بالْمَوعِد؟!
كل ما هنالك صمت، صمت رهيب هو يُذَكِّر بصمت القبور في جنة صغيرة على الأرض، جنة هي كانت ستغطي مساحة المكان ومسافة الزمان..
إنهما زمان ومكان اللقاء الهارب من بطلته هروب الصرخة الخرساء مِن فَمٍ يُجِيدُ الجحود على مدار ساعة القلب، وأيّ قلب هذا غير ذاك القلب الْمُتَّهَم بتعسير تفعيل قانون الخلود..؟ !
في الحُبّ لا شيء يَضرب لك موعدا تحت سقف خيمة التحقُّق، سماء الشوق تُمْطِر مطرا شاحبا تَجِفّ قبالته المآقي الحالمة بمنديل يُرَطِّبُ مجرى الخَدّ، وطاولة الانتظار تُشيِّعُ جنازةَ الحُبّ الذي كان، ومتى كان؟! قبل أن يُكَفَّنَ في ظرف يحمل المكتوب (الرسالة)..
ما مِن شيء داخل إطار لوحة بيدرو بوينو يَبعث على فرحة التقاط الأنفاس، كأنها سكتة القلب والجسد أعلَنَتْ حدادَ الروح في مساء يُؤذن للغياب أن يَنكأ الجروح..
جروح الحُبّ ثقيلة، وموسم الندم لا يُجيد ترتيبَ أوراق حقيبة القلب الميت تحت وطأة النكران، فإذا بسقف الحُلم باللقاء ينهار، وإذا بأشجار التَّرَقُّب لا تُعطي شيئا من الثمار..
كل شيء يُغَلِّفُ المشهد ها هو يُعلن الحداد، ولا شيء ينقص، لا شيء ينقص إلا الروح المعلَّقة بخيط الحُبّ الهارب إلى سماء أخرى وقد ترك المكان لتبكي فيه العينان وتنتصب فيه الأكفان..
صدمة الروح لا يَزِنُها ميزان، والقلب الذي يكفر به الحُبّ يذوبُ، يذوب كشمعة تستعرض جسدَها الهزيل، بينما الدمعُ يَسيل..
بياضٌ شَتَّانَ بينه وبين مدلول الحماية ها هو يغلف المشهد ليُعَبِّئَه بمعاني الموت، وما من شيء يُشَجِّعُ على عُرس اللقاء ذاك الذي كانَتْ قد تَأَهَّبَتْ له بطلةُ الْمَشْهَد بثوب الفرَح الأوسع من صدر الحُلم..
كل شيء يذبل، كل شيء يموت، وإذا بفستان العرس يستحيل كَفَنا يرفع راية الحِداد بعد أن تتالت الكبوات ولجمَتْ سيقانها قبالتَها الجياد..
من أين لجواد الحظ أن يَعبر خط اللارجعة؟!
من أين لشفاه الحُبّ أن تستسلم لذبول يَزفه الربيع فصلا خامسا؟!
ومن أين لرحى الأيام أن يتأقلم معها العجز عن الانتقام؟!
بين غرام وانتقام تَقول الرسالة (لا كارطا) كل شيء: انتهى زمن الحُبّ، تعطلت عربة الوُعود، اندلقت كأس الأماني، وانتفَضَتْ سِلال لوزِ الحُبّ ثائرة بعد أن صيَّرَتْهُ لعبةُ النهاية لوزا مُرّاً..
بيدرو بوينو.. مُرّ يا لوزَ الحُبّ!

سعاد درير