كتاب وأراء

مُراجعَة مواضِيع خُطَب الجُمعة

خولَة مرتضوي
تُرى، ما الأولويَّة التي لأجلِها يُقدِّم خطيب الجُمعة لموضُوعٍ كلاسيكي، مثل: بِرِّ الوالدين، الإحسان، قصص الأنبياء والصحابة وفضل المواعِظ والأذكار إلى غيرها من المواضِيع التي قُدِّمت مرَّاتٍ ومرَّات عبر المنابر، وحفظَها النَّاس من كثرَة الإعادَة والترديد، لتكون هذه المواضِيع أولَى في التقديم، في وجهة نظرِه، من كافَّة القضايا المُعاصِرة والهموم والتحدِّيات التي تواجِهُ الأمَّة الإسلاميَّة؟ إنَّ هذه الحالة مُكررة بشكلٍ كبير، فكثير من المُصلِّين يُصابُون بخيبَة من المواضِيع المكررة التي يطرحُها خُطباءُ الجمعة في مرحلةٍ مأزُومَة من تاريخ الأُمَّة، ولا أعرِفُ هل المُشكلَة تكمُن في عدم قُدرة الخطيب على طرح قضايا جديدة، تختلِف عن التي ألِفَ تقديمها وإعادتها كُلَّ مرَّة، بالشكلِ المطلوب، أم أنَّ الموضُوع لهُ علاقة بكسل الخطيب عن مُتابعَة القضايا والتحدِّيات الجديدة التي يجِب أن يُشير إليها في منبرِه وأن يبحَثَ لها عن طُرقٍ وأساليب للعلاج الفردِي والجماعي، أم رُبما يتعلَّقُ الأمرُ برُمَّتِه بعدم مقدِرَة الخطيب على الإتيانِ بشيءٍ يعتقد أن هناك من سيخالفه فيه، فيُقدِّمُ خطابًا من النوع الذي نسمعه.
أعتقِد أنَّ من الضرورِي أن يتِم مُراجعة خُطب الجمعة من قِبَل جهة ذات اختصاص، جهة لا تخافُ إلا الله سبحانهُ وتعالى، فتوجِّه خُطباء منابِر الجمعة إلى تقديم مواضِيع مُتَّصِلة بواقِع الحياة المعاصِرة، خطابًا مدروسًا يضُمُّ تصحيحًا للمفاهيم المغلوطة وللصُورة النمطيَّة السائدَة عن الإسلام وأتباعِه، يضُمُّ حُلولًا وتوصِياتٍ عمليَّة، كما يضُمُّ دراساتٍ وإحصائياتٍ جديدَة تقدَّم بشكل تحليلي مُعاصِر، بعيدًا عن اللغة الجامدَة التي عفَّى عليها الزمن، أن يجتهِد ويستنبِط، ويخرُج من الجُمود والتقليد وتخدير وتعطيل العُقول وحَكرُها في حِقَبٍ زمنيَّةٍ سالِفَة بكُل ما تحمِلُه من قضايا وتحدِّيات وأحداث ودُروس وحُلول دونَ أن يكون بينها وبينَ الحاضِر وأحداثِه وتقلُّباتِه أي علاقة أو فائدة مرجوَّة. ولسبيل تحقيق ذلك يجِب أن يخضَع خُطباء منابِر الجمعة لدورات تدريبيَّة تُمكِّنُهُم من تطوير خِطابهم الديني وتطوير الأدوات والمهارات التي تُعِين على الاجتهاد وإعمال العقل والفِقه والفهم والبحث والتحليل والاستنباط، مع أهمية التركِيز على الاستفادة من التقنيَّات الجديدة التي وفَّرتها شبكة الإنترنت والتطبيقات التكنولوجيَّة الجديدة في البحث عن المعلومات والبيانات والتحقُّق من صِحتها ومعرفَة الهُموم والتحدِّيات التي يتناقلها أبناء الأُمَّة في المنبر الإلكترونيَّة المفتوحة ما يُعينُهُ على تحديد وتجديد مواضيعِه بحسب ما يتناولُهُ الرأي العام الإسلامِي من قضايا وإشكالات. ورغم أهميَّة أن تقوم جهة مُختصَّة بمراجعة وتقييم وتوجِيه وتدريب خُطباء الجمعة بشكلٍ مستمِرّ، إلّا أنَّ خطيب الجمعة عليه أن يتحمَّل كذلك مسؤوليَّة المُهمَّة والأمانَة التي كُلِّفَ بِها، فخطبة الجمعة من شأنِها أن تبُثَّ الصحوة الإسلاميَّة وتوقِدها من جديد، خطيب الجمعة الشجاع المستبصِر يستطِيع من خِلال منبرِه الأسبوعِيّ أن ينهضَ بالأمَّة من مختلف المستويات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، التربويَّة، والثقافيَّة، القانونيَّة والسياسيَّة؛ وذلك عبر ما يبثُّهُ من أمَل ودفعٍ للعمَل والفاعليَّة والإنتاج، فمسؤوليَّة الخطيب الشخصيَّة عن هذه المهمَّة العظيمة تكمُن في محاسبتِهِ لنفسِه وتطويرِهِ لذاتِه وتجديدِهِ لخطابِهِ الديني وتقديمِهِ ما ينفَعُ النَّاس في هذا الزمن. وهُنا أودُّ التأكيد على أنِّي لا أقول أنَّ المواضيع التقليديَّة لم تعُد تهُمُّ أبناء الأُمَّة الإسلاميَّة، فمن منَّا لا يحتاجُ دومًا إلى من يُعرِّفنا بديننا وأحكام شريعتنا وعُلوم السلف الصالِح ويُوجّهِنا للذِكر والبِرِّ والصلاح؟ فتكرارُها بينَ حينٍ وحين هامٌ جدًا وفيه ذكرى للمؤمنين، على ألا تُصبِحَ هذه المواضِع وحدها حِكرًا في منابِر الجمعَة التي يُنتظَر منها الكثير الكثير.
قارئي الكريم، يُمكن القول أنَّ مسألة تجديد الخِطاب الدينِي الإسلامي ليست قضيَّة حديثة المنشأ، فهذا الخِطاب ظَلَّ فتراتِ طويلَة من حياة الأُمَّة الإسلاميَّة خِطابًا داخِليًّا، يبتعِد كُلَّ البُعد عن رُوح العالميَّة التي يمتازُ بِها الإسلام، كما أنَّ الخِطاب الدِينِي المُعاصِر اعتمد على أساليبٍ ووسائِل أثَّرَت سَلبًا على مسار تقديم صورة صحيحة للإسلام والدعوة إليه، مما دفعَ الناس إلى الزُهدِ بالإسلام والخوف مِنه، فهذا الخطاب المُعاصِر اتسمَ بالتقليديَّة والسلبيَّة والذاتيَّة والنظرَةِ الأُحاديَّة والجُزئيَّة، ولم يقُم نهائيًا بدوره الصحيح في التفاعُل مع هموم وتحدِّيات الأمَّة الإسلاميَّة والتعاطِي مع مُتغيِّرات الوضِع الدولي السائدة، كما أنَّ مُعظم الأوعيَة الإعلاميَّة الاتصاليَّة التي تُعَرِّف بالإسلام مثل خُطَب الجمعة والكُتيِّبات والمطويِّات وغيرها لا تٌقدِّم الدين الإسلامِي من منظُور مَبنِي على قِيَم الإسلام الإنسانيَّة، وإنما تُقدِّمهُ في أنماطٍ تقليديَّة كلاسيكيَّة، حيثُ أنَّ أغلب هذه الموادّ المنشورة في فضاء الإعلام التقليدي والجديد تٌقدِّم الإسلام، لِمَن يُفتَرَض أنَّهُ يتصِل بهذا الدين لأوّلِ مرّة ويبحثُ عن إجاباتٍ مُقنِعَة لما يُعانِيهِ من صِراع داخِلي وخَواء رُوحِي، على الشكل النمط التقليدي التالي: «الإسلام هو الاستسلام لله، والانقيادّ لهُ، وأركانُهُ خمسَة وأركان الإيمان سِتَّة...إلخ»، الأمر الذي زاد من الفجوَة بين مُرسل الرسالة وبين الجمهور العالمي الذي يستهدفهُ بهدف الدعوة إلى الدين الإسلامي، كما أنَّها تُقدِّمُ قضايا الإسلام، لأبناء الأُمَّة، بأسلوب التلقِين والتكرار والبعيد تمامًا عن المسائِل المعاصِرة التي تحتاجُها الأمَّة الإسلاميَّة واستنباط أحكامِها الشرعيَّة وتقديم حُلول واقعيَّة لها، الأمر الذي جعَل هذا الخطاب الديني، وعلى رأسِها خُطَب الجمعة، خطابًا باردًا مُنفرًا ومُمِلًا لا يُقدِّم ولا يُؤخِّرُ شيئًا!
{ إعلاميَّة وباحثَة أكاديميَّة- جامعة قطر

خولة مرتضوي