كتاب وأراء

بئسَ أخو العشيرة !

كل كلامه حكمة، وكل موقف له درس، وكل لحظة من لحظات عمره يجب أن تُدوَّن بحبر من ذهب على صحائف من فضة، هو الرجل الذي لا يوجد منه في تاريخ البشرية إلا نسخة واحدة، وهذه حكمة أخرى، ودرس آخر، ولحظة يجب أن تُدوَّن!
كان يوماً جالساً في بيت عائشة، فاستأذن رجلٌ في الدخول عليه، فقال: اِئْذنوا له بئس أخو العشيرة!
فلما دخل عليه ابتسم في وجهه، وألانَ له الكلام، فلما غادر الرجلُ، قالت له عائشة: يا رسول الله: حين استأذنَ عليك قلتَ الذي قلتَ، ثم تبسَّمتَ له وانبسطتَ إليه!
فقال لها: يا عائشة، متى عهدتني فحَّاشاً، إن شرَّ الناسِ عندَ اللهِ منزلةً يوم القيامة من تركه الناسُ اتقاء شرِّه!
هذا درس بليغ في المُداراة! ويخلطُ الساذجون بين المُداراة والنفاق، وهذا خلطٌ مذمومٌ، وفهمٌ عقيمٌ لأدبيات التعامل مع الناس!
هناك تصرفات متشابهة قد تبدو لِلْوهلة الأولى متطابقة، ولكن إذا ما تأملناها بعين الفَراسة بدا لنا البون شاسعاً، وأن بينهما شعرةً رقيقة يا لحظِّ من أدركها فقد فهم الحياة!
إن من يخلط بين المُداراة والنفاق كالذي يخلط بين البخيل والاقتصادي، وبين الجبان والحَذِر، وبين المتهور والشجاع، وبين الوقح والجريء، وبين المُبذِّر والكريم!
قد يمنعك ظرف ما أن تقول للظالم إنه ظالم وهذه مُداراة، ولكن النفاق أن تصفق لظلمه! عدم قول الحق لا يعني الرضى بالباطل، الرضى بالباطل هو التصفيق له، والشدّ على يد أهله، على أنَّ الأصل هو قول الحق، ولكن الله أعلم بظروف العباد!
والأهم من هذا كله، احذرْ أن تكون أنتَ بئسَ أخو العشيرة!
أن يُداريك أبواك وينتقيا كلامهما معك خوفاً من سلاطة لسانك وسوء طبعك وقلة أدبك!
وأن تُداريك زوجتك لطول يدك!
وأن يُداريك أولادك لسوء خلقك!
وأن يُداريك جارك لأنه يعرف أنك كالعبوة الموقوتة لا أحد يعرف متى تنفجرُ في وجهه!
وأن يُداريك زملاؤك في العمل لأنك مؤذٍ وشرير لا يُؤتمن جانبك!
وأن يُداريك جلساؤك خوفاً من كلمة قد تصدر منهم عن أحدٍ فتحملها إليه لأنهم عهدوا فيك أنك تمشي بالنميمة بين الناس!
عندما يتحدث معك أبواك بأريحية، وتُجادلك زوجتك بأمان، ويُناقشك أولادك بسلام، ويتعامل معك جارك بتلقائية، ويتصرف معك زملاؤك ببساطة فأنتَ إنسان عظيم، وما كان هذا منهم إلا لأنهم علِموا حسن أخلاقك، المُهابُ أحياناً سيئ الخُلق!
يُروى أن الخليفة المأمون نادى يوماً على غلامه ووجوه الناس وأعيانهم عنده، فلم يُجبه، فنادى ثانية فلم يُجبه، ثم في الثالثة خرج الغلام وقال: ما هذا القصر كلما غبتُ عنكَ ناديتَ يا غلام يا غلام!
فقبض المأمون على لحيته وصمت، وغطى الحاضرون وجوههم خوفاً من أن يضرب عنقه فيُصيبهم دمه! ولكنه رفع رأسه وقال: إن الملوك إذا حسنت أخلاقها ساءت أخلاق عبيدها، وإذا ساءت أخلاقها حسنت أخلاق عبيدها، وإني لا أشتري سوء خلقي بحسن أخلاق عبيدي!
بقلم: أدهم شرقاوي

أدهم شرقاوي