كتاب وأراء

حين نطل على مسارات الأمس «2»

في توقيت معين خلال فترة الحكومة الائتلافية (في الثمانينيات) صدر قرار حكومي برفع الدعم عن احدى السلع الاساسية (سلعة السكر).. كانت الزيادة على ما اذكر من جنيه إلى جنيه وخمسة وعشرين قرشا.. واعقبت ذلك القرار مظاهرات غاضبة، ولكن رئيس الوزراء وقتها، وهو السيد الصادق المهدي، قرر سريعا إلغاء قرار رفع الدعم.
كانت «حرب الجنوب» تستنزف اقتصاد السودان عقب اسدال الستار على مرحلة نظام الرئيس الراحل جعفر نميري.. وكان البعض يردد: اذا كانت الحكومة ستحارب فيجب ان يتم اللجوء إلى ما يعرف بـ «اقتصاد الحرب».
ولكن من بين التداعيات المتواصلة حول كيفية تجاوز المشاكل الرئيسية بالسودان أتت اتفاقية «الميرغني – قرنق» في نوفمبر من عام 1988.
المهم هو ان تلك الاتفاقية اجيزت برلمانيا لكن الحزب الرئيسي في الحكومة (حزب الامة) وضع بعض التحفظات حول تلك الاتفاقية.
كان من المقرر ان يتم الشروع في تنفيذ الاتفاقية في يوليو أو اغسطس من عام 1989.. ولكن الساحة السياسية فوجئت بـ «انقلاب الثلاثين من يونيو من عام 1989». أقول فوجئت، لانه لم يكن منطقيا وكل القوى والاحزاب السياسية تتمتع بالحريات ان يحدث انقلاب ليصادر الحريات!.
بين الفينة والاخرى تعود إلى الخاطر بعض ملامح السنوات القديمة في مجال العمل الصحفي بالسودان في بدايات تجربة جيلنا في منتصف الثمانينيات.
كان الكثيرون منا يعتبرون أن الثورة الجديدة آنذاك - في مارس 1985 هي «ثورتهم» وهكذا تعمق احتفاؤنا بتجربة الانتصار الشعبي في السادس من أبريل، وهي تجربة كانت مبهرة لجيلنا، أتذكر تعليق أحد أقاربي حين استفسر من أشخاص كبار في السن عن أهمية انتفاضة مارس– أبريل عام 1985 مقارنة بثورة أكتوبر.. قال لي: العديد ممن سألتهم قالوا إن ثورة أبريل لها أهميتها رغم تميز ثورة أكتوبر عام 1964.
كتبت في الأيام الأولى لسقوط «نظام مايو» بعض المقالات، ونشرت لي واحدة منها سريعا، وحين تأخرت المقالة الثانية ذهبت إلى أحد أصدقاء أخي الأكبر وكان يعمل مسؤولا إداريا بصحيفة يومية مرموقة، هي (جريدة الصحافة) الغراء، وهو الأستاذ «عبدالرحمن حسن عطا المولى».. وتحدثت معه عن تأخر المقالة.. واصطحبني لمقابلة صحفي مرموق بالصحيفة، هو الصحفي المتميز خلقا وابداعا ومهنية في العمل الصحفي الاستاذ نورالدين مدني.. وقال له: مقال هذا الشاب تأخر.. ألا تريدون التعاون مع الشعب؟!. وضحكنا جميعا، فرد عليه قائلا: لا استطيع أن أنشر للجميع.. هنالك مقالات كثيرة وايضا قصائد كثيرة.. لقد اصبح كل أفراد الشعب السوداني شعراء !.. وذلك في إشارة للقصائد الكثيرة التي كانت تنشر يوميا عن انتصار الشعب في ثورته السلمية وقتها (انتفاضة مارس – ابريل عام 1985 التي اسقطت «نظام نميري».
في عام من الأعوام عقب إسدال الستار على تجربة التعددية الحزبية السابقة المعروفة باسم «الديمقراطية الثالثة»، حدثنا رئيس تحرير سابق عملنا معه في أيام الديمقراطية.. قال إنه التقى بصديق لنا عمل آنذاك بإدارة إعلامية بمؤسسة حكومية في الخرطوم واستغرب ذلك فرد عليه صديقنا المعروف بسخريته: (انهم اعتقدوا أنني معهم.. فأعطوني وظيفة معهم).
كان ذلك الصديق يتحفنا بالطرائف التي كانت تخفف إرهاق العمل الصحفي وساعاته الطويلة بين إنجاز أعمال مكلفين بها أو متابعة نشاطات سياسية (ندوات ولقاءات تعقدها مختلف الأحزاب) أو حضور أمسيات أدبية.. قال مرة: «سنكون صحفيين جيدين حسب اعتقادي.. لأننا عملنا في صحف كثيرة لفترات قصيرة واكتسبنا خبرات متعددة، حيث كنا نعمل ببعض الصحف لبعض الوقت ثم تتوقف تلك الصحف عن الصدور لأسباب مختلفة.. فنذهب للعمل بصحف أخرى. ونستمر على ذلك الوضع».
بعض هذه الاسطر كنت قد دونتها قبل فترة، واقول الآن ان رئيس التحرير الذي اشرت اليه في تلك الخواطر عن العمل الصحفي في السودان بالأمس، هو استاذ الاجيال الشاعر والصحفي والوزير الراحل «اللواء عوض احمد خليفة»، وهو – بالطبع - غني عن التعريف.. اما الصحفي الساخر الذي اشرت اليه فهو الزميل الصحفي الراحل «زكريا حامد» الذي اشتهر بعموده الساخر بعنوان «حاجة غريبة».. ندعو لهما ولكل من فقدنا عبر الفترة الماضية، ندعو لهم جميعا بالرحمة والمغفرة والرضوان.
بقلم: جمال عدوي

جمال عدوي