كتاب وأراء

رفقا بأبنائنا أيها الموت

أخبار متواصلة منذ بدء العام الجديد تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي السورية عن رحيل شباب سوريين يعيشون في الدول الأوروبية، بسبب أزمات قلبية مفاجئة، تبدو هذه الأخبار مخيفة ويصعب تصديقها، خصوصا أن أكبر الشباب الراحلين لا يتجاوز عمره الخامسة والعشرين عاما، أحد الراحلين نتيجة أزمة قلبية له من العمر واحد وعشرون عاما فقط، أي حين بدأت الثورة السورية وتداعياتها المختلفة، لم يكن له من العمر سوى اثني عشر عاما، كان طفلا، حتى الآخرين الذين انتشرت أخبار رحيلهم مع صورهم الشخصية كانوا جميعا أطفالا في بدء الثورة، ومثلهم مثل العديد ممن هم في جيلهم، ذهبوا إلى أوروبا عبر الهجرة غير الشرعية، عاشوا تجربة مهولة للوصول إلى بلاد الأمان هربا من الحرب والموت، سواء في التسلل إلى تركيا أو في الخروح منها عبر البحر، بكل الكوارث المتوقعة، أو عبر الغابات الأوروبية بما تحتويه من مخاطر ليس الاعتقال من قبل السلطات المحلية سوى أقلها.
ومن الصعب على من عاش كل تلك المخاطر أن يتمكن من نسيانها بسهولة، إذ ثمة أهوال وخوف لا يمكن تخيله، يحكي عنه من خاضوا تلك التجارب، سواء في مدونات على وسائل التواصل، أو في أحاديث شخصية سمعها أغلبنا، إذ لا يوجد سوري، في الغالب، ليس له صديق أو قريب لم يخض تجربة كهذه.
كيف لطفل يتعرض لخوف ومخاطر كهذه أن يكمل حياته؟! سؤال لطالما خطر لي وأنا أقرأ وأسمع قصصا عن الهجرة غير الشرعية التي خاضها أطفال سوريون، برفقة عائلاتهم أو وحيدين، ومنهم من فقد أفراد عائلته غرقا في البحر، ومن كتب له من هؤلاء الأطفال النجاة والوصول إلى البر، فهو عاش تجربة الذل في المخيمات والكامبات التي تجبره الدول الأوروبية على دخولها والعيش فيها في انتظار انتهاء معاملة لجوئه ثم لم شمل عائلته، إذ أن هناك كثرا من العائلات السورية قد أرسلت أولادا لها لم يبلغوا سن الرشد بعد هربا في البحر إلى أوروبا، بغية إجراء عملية لم الشمل لهم، فالقوانين الأوروبية تسمح بلم شمل عائلات من هم تحت سن الثامنة عشرة، حيث يعاني الطفل وحده كل تلك المخاطر، ثم حين يصل إلى النتيجة المرجوة يكون قد ذهب من سنين حياته الكثير، ليتفاجأ بمجتمع غريب عنه، وبلغات يصعب عليه تعلمها، وبواجبات عليه القيام بها تجاه المجتع الجديد وهو لم يتخلص بعد من أثر تجربتي الحرب في بلده، والهروب منها، ويشاهد من هم في سنه من أبناء المجتمع الجديد يعيشون الحياة التي تليق بأعمارهم، من حضن العائلة، إلى التعليم، إلى المنزل الدافئ، إلى الحقوق المصانة، إلى الأمان والمستقبل المضمون!
تمضي السنوات على الطفل اللاجئ وهو يحاول الاندماج والانسجام مع حياته الجديدة، دون أن يجد من يقف معه أو يسانده في تخطي كل هذه المعاناة، ثم يجد نفسه فجأة مسؤولا عن عائلته التي تركها في سوريا، أو مسؤولا عن تأمين وصولها إليه، ومن التجارب التي رواها كثيرون، ان الدول الأوروبية لا تهتم كثيرا بالوضع النفسي للاجئ الطفل أو المراهق في فترة وجوده في الكامب، ولا تهتم بما يمكن أن يحدث له نتيجة اكتشافه لوجوده في مجتمع جديد بقيم جديدة مختلفة تماما عما تربى عليه في طفولته الأولى، تخيلوا ولدا في مراهقته الأولى قادما من منطقة سورية تعاني أصلا من التهميش التنموي والثقافي، ثم تلقت كل صنوف إجرام الحرب، ليجد نفسه في مدينة أوروبية كبيرة بكل ما فيها من انفتاح وتطور وأمان، وعليه أن يتلقى صدمة الانتقال تلك وحده دون أن يملك حتى اللغة التي تساعده على تأمين ابسط شؤون حياته؟! كيف ستتحمل أعصابه كل ذلك؟ كيف لا تتلف الصدمة قلبه وتفتك به؟!
من يتحمل مسؤولية موت الشباب السوريين في غربتهم تلك ؟! من هي الجهة التي يجب أن تحاسب، فيما لو استطاع السوريون المطالبة بحقوقهم وبتطبيق العدالة على من تسبب لهم بما حصل لهم؟! هل النظام السوري يتحمل وحده مسؤولية ذلك، رغم أنه المسؤول الأول عن الكارثة السورية الكبيرة؟! أم أن المجتمع الدولي برمته، الذي صمت ويصمت عن كل الجرائم التي ترتكب بحق السوريين، ويحاول إعادة تدوير نظام الأسد من جديد وتبييض صفحته على حساب كل الضحايا السوريين داخل سوريا وخارجها؟!
بقلم: رشا عمران

رشا عمران