كتاب وأراء

خواطر عن واقع الإبداع

واقع الثقافة والإبداع يحتفظ دوما بقدرته على اجتذاب قطاعات كبيرة من المتلقين في ساحات التعبير العام. في التفكير التلقائي ومتابعة الخواطر عن واقع الثقافة والابداع في الحاضر، فإن البعض يرى انه لم تعد تجذبه اعمال ابداعية كثيرة مثلما كان الحال قديما.
لقد ظلت تتردد مقولة معينة في صفحات التعبير الثقافي العام هي انه كان هنالك عصر ذهبي للكتابة الادبية اقليميا ودوليا.
ان طبيعة العصر الذي نعيشه (عصر القرية الصغيرة الكونية الواحدة) هي طبيعة تتسم بالايقاعات السريعة.
لكن وسط الاسراع والتعجل والركض اليومي خلف تدبير هموم كثيرة في مقدمتها هموم المعيشة فإن هنالك وقتا يفرض نفسه هو وقت حنينا إلى عالم الابداع الادبي.
اتذكر انني التقيت في مهرجان اصيلة بالمملكة المغربية قبل سنوات بتشكيلي سوداني مرموق هو الفنان محمد عمر خليل (أحد مؤسسي مهرجان اصيلة برفقة السيد محمد بن عيسى الوزير المغربي السابق). قال لي انه في نيويورك حيث يعيش لا بد للفنان حين تأتيه فكرة ابداعية معينة ان يسارع بتنفيذها لان فنانا آخر قد تخطر له نفس الفكرة ويسارع إلى تنفيذها.. فتضيع على الفنان الأول فرصة التفرد بابداع جديد معين.
ان افكار الابداع ترتبط بطبيعة الحال بالموهبة التي يمتلكها الفرد.
اتذكر ايضا ان الراحل الموسيقار السوداني محمد وردي قال في لقاء تلفزيوني معه – لقاء اجراه الاعلامي المبدع حسين خوجلي - قبل عدة سنوات انه اختلى بنفسه في ساحة خالية بقريتهم (صواردة) في الشمال السوداني.. وبدأ يغني لنفسه. قال حين اصغيت لصوتي انبهرت به.
وكان ذلك استكشافا منه لموهبته الصوتية التي صقلها – بالطبع – بالدراسة والتعلم من رواد آخرين في عالم الموسيقى والابداع الغنائي في السودان. قال وردي في ذات اللقاء انه قرر في سنوات لاحقة ان يهجر التدريس (في حقل التعليم العام) وان يتفرغ للغناء..
وأضاف: قررات ان «أدرس» على الهواء مباشرة.
عايشت الساحة السودانية ابداعات وردي في اغنياته العاطفية والوطنية معا على مدى عقود طويلة.. واعترف له الكثيرون بأنه امبراطور الاغنية السودانية.
ان مرد نجاحات المبدع تكمن في الموهبة العظيمة اولا واخيرا.. واعتقد ان اهم ما يدركه المبدع الحقيقي دوما هو ان يحترم الجمهور.
لقد كان الراحل محمد وردي يقول: ان اغنياتي تنافس بعضها.
وكان في فترة من الفترات يقدم كل شهر حفلا غنائيا في «قاعة الصداقة الشهيرة» على ضفاف النيل الازرق قبل انحداره ليلتقي بالنيل الابيض في منطقة المقرن الجميلة بالعاصمة السودانية الخرطوم.. في كل مرة كان وردي يقدم جديدا.. كما كان يضيف الجديد إلى تجربته.. فيصطحب معه كورال «معهد الموسيقى والمسرح».. ويقدم باستمرار توزيعات غنائية جديدة لاعماله الناجحة.
ان تجربة جيل قديم من مبدعي الاغنية السودانية تستحق باستمار ان يغترف منها النقاد تأملاتهم وخواطرهم وتحليلاتهم.
{ (يتبع)
بقلم: جمال عدوي

جمال عدوي