كتاب وأراء

نحو خطاب ديني متصالح مع العالم (19) لا وساطة دينية في الإسلام

حارب القرآن الكريم (الوساطة الدينية) و(الأولياء الدينيين) محاربة شديدة، ونعى على أتباع الديانتين السابقتين، اتخاذهم وسطاء، بينهم وبين ربهم، بل أتصور أن الهدف الأساس لمجيء الرسالة المحمدية، إعادة الصفاء والنقاء للأديان (التوحيدية) (دين الأنبياء والرسل جميعاً) من أدران وشوائب الكهنوتية والوسطاء الدينيين، الذين حولوا الأديان السابقة إلى مؤسسة سلطوية ذات نفوذ ديني واجتماعي وسياسي واقتصادي نفعي، فقال تعالى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، والمسيح عيسى ابن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً، لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون).
عندما نزلت الآية، تساءل الصحابة: يا رسول الله، ما عبدوهم ؟ قال (ما عبدوهم، ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم) كما حذرنا رسولنا الكريم، ونهانا نهياً قاطعاً عن اتخاذ بعض البشر، بحجة علو مكانتهم الدينية، وسطاء، أوصياء، لهم سلطة شرعية، على عقول ووجدان المسلمين.
جاء الإسلام، أساساً، لنقض سلطة البشر الدينية، على بعضهم بعضا، وهذا ما حرص على توضيحه وتأكيده، الإمام محمد عبده، كتابه (الإسلام دين العلم والمدنية) وترجم له بعنوان (قلب السلطة الدينية) فقال: أصل من أصول الإسلام، وما أجله من أصل، قلب السلطة الدينية، والإتيان عليها من أصلها (وهي السلطة التي كانت سائدة في العالم، قبل مجيء الإسلام) هدم الإسلام بناء تلك السلطة، ولم يدع لأحد بعد الله ورسوله، سلطاناً على عقيدة أحد، ولا سيطرة على إيمانه، بل أن الرسول عليه الصلاة والسلام، إنما كان مبلغاً ومذكراً، لا مهيمناً ولا مسيطراً (فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر) ولم يجعل لأحد، من أهله أن يحل ولا أن يربط، لا في الأرض ولا في السماء، وليس لمسلم، مهما علا كعبه في الإسلام، على آخر، مهما انحطت منزلته فيه، إلا حق النصيحة والإرشاد (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) ثم قال، بما يكتب بماء الذهب (ولكل مسلم أن يفهم عن الله وعن رسوله، بدون توسيط أحد من سلف ولا خلف) إذا كان مؤهلاً للفهم، وعلق تلميذه السيد محمد رشيد رضا (يعني لا يجب على المسلم أن يجعل أحداً من علماء السلف أو الخلف، واسطة بينه وبين الله ورسوله، يتقيد برأيه واجتهاده في فهم كتاب الله أو سنة رسوله).
لماذا حارب الإسلام نظام الكهنة والأوصياء الدينيين؟
تعظيماً لكرامة الإنسان في أن يظل سيد نفسه، مستقلا بإرادته، حراً في معتقده، لا وصي ولا رقيب على ضميره وعقله، غير تابع لأحد، يتواصل مع خالقه مباشرة، من غير وسطاء أو حجاب، وحسم القرآن هذه القضية بقوله (ادعوني استجب لكم).
فلا أَجِد ديناً حارب الكهنة كالإسلام، ومع ذلك أبى أكثر المسلمين إلا أن يتخذوا وسطاء بينهم وبين ربهم، يرجعون إليهم في شؤون حياتهم، يتقيدون بأوامرهم ونواهيهم.
وكان الأسرع إلى اتخاذ أئمة معصومين (الشيعة) غالت في حب آل البيت، واتخذت من نسل بنت الرسول، عليه الصلاة والسلام، أئمة هداة معصومة، ومراجع دينية، تقلدها وتلتزم فتاواها.
أما القطاع الأكبر من المسلمين، وهم ( السنة) فقد غالت (الصوفية) في اتخاذ (أولياء) أوصياء، ينقادون لهم، ويسلمون أمورهم إليهم، ومذاهب سنية أخرى، غالت في شيوخها وأئمتها، وأطلقت عليهم ألقاباً مثل (شيخ الإسلام) و(حجة الإسلام) وهي تسميات مبتدعة، قلدوهم وتعصبوا لهم، والتزموا بفتاواهم في مختلف شؤون حياتهم، ولم يرتضوا أي نقد لآرائهم، بل علا صوتهم بالنكير لكل من تجرأ وخطأ بعض أقوالهم وفتاواهم.
أخيراً: أعجب لمسلم، كيف يلغي عقله، ويعطل تفكيره، وهو أعظم نعم الله تعالى عليه، يسلمه لمرجع أو شيخ دين، وصياً عليه، يأمره وينهاه، في دين من أخص خصائصه، نقض الوساطة الدينية ؟!
بقلم: د.عبدالحميد الأنصاري

د.عبدالحميد الأنصاري