كتاب وأراء

ســيد الـمــسـرح.. لـم نره عـلــى الـمــسرح

ما من متابع يجهل القامة المسرحية الكبيرة المسماة «نجيب الريحاني» وما من أحد من الأجيال اللاحقة يدعي أنه رآه على المسرح، وكل ما رأيناه كان الأفلام السينمائية التي قام ببطولتهـا، فنحن نعرفـه من السـينما وليس من المسـرح، لأن مسـرحياته لم تسـجـل تـليفـزيونياً، فلم يكن التليفزيون قد وصل إلينا، وقلائل جداً من يعـرفون أنه مسـيحي من أصل عراقي واسـمه الكامل نجيب إلياس ريحانة، واشتهر باسم نجيب الريحاني، ولد في 21 يناير 1889 وتوفي في 8 يونيو 1949.
أقام المسرح المصري لسنوات طويلة، وأبقاه مضيئاً نشيطاً، منفتحاً بنهم على كافة الأفكار المحلية والعالمية، لا يكف عن الابتكار والتأليف والاقتباس والتمصير، وكان الممثل والمخرج والمؤلف والمنتج، ومكتشف النجوم وصانعهم في فرقته المسرحية، والكاتب المشارك في بعض الأحيان لرفيق عمره بديع خيري، كما كان له الفضل الكبير على الموسيقى، عندما آمن بموهبة سيد درويش النادرة، وفتح له مسرحه ليزدهر فن الأوبريت في القاهرة، وقت ازدهاره على مسارح فيينا عام 1920.
أعظم ما في الريحاني أنه في السينما ابتعد تماماً عن المسرح، فلا نجد في أدائه السينمائي تأثيراً لعمله الطويل في المسرح، إننا لا نشعر بمسرحية الأداء التشخيصي، رغم أنه قادم من المسرح، حيث تجمد الإلقاء والتكلف والمبالغة أحياناً، واتباع الأساليب القديمة في التمثيل.
كان الريحاني يجيد فن الصمت، ونجد أن مشاهده الصامتة مؤثرة للغاية، لامتلاكه مهارات التمثيل الصامت من لحظ وإيماء وتطويع قسمات الوجه، وإظهار التداعيات الداخلية للمشـاعـر، وهذا يتطلب التركيز الصارم والتحفيز الحسي لتحقيق أعلى مسـتوى من التعبير.
وكان لِلريحاني وأُسلوبه التمثيلي تأثيرٌ على العديد من المُمثلين اللاحقين، منهم فؤاد المهندس الذي اعترف بتأثير أُسلوب الريحاني عليه وعلى منهجه التمثيلي.
حياة الريحاني حافلة بمواقف الفرح والحزن والاكتفاء والفقر إلى حد العوز والتشرد، لكنه ظل مثابراً حتى أرسى للمسرح الكوميدي أسسه العميقة، وجعل الناس يقبلون بشغف على مشاهدته، من رجل الشارع العادي إلى الملك.
قال عميد الأدب العربي طه حسين في رثاء الريحاني: «أرسل الريحاني نفسه على سجيَّتها، فملأ مصر فرحاً ومرحاً وتسليةً وتعزية. ولو فرغ الريحاني لِنفسه، وعكف على فنِّه، لكان آيةً من آيات التمثيل في العالم كُلِّه» وتكفيه هذه الشهادة.
قدم الريحاني أكثر من أربعين مسرحية، معظمها ألفها بالاشتراك مع رفيق عمره بديع خيري، وأعيد إنتاج كثير منها فيما بعد على يد تلاميذه، مثل فؤاد المهندس، وقدم عشرة أفلام سينمائية، ما زال المشاهد يجد فيها ما يمتعه أكثر من الأفلام الجديدة. وليت الفنانين يعيدون إنتاجها.
بقلم: نزار عابدين

نزار عابدين