كتاب وأراء

رغـبـة أكـثـر صـهـيـلا !

بقلم: د.سعاد درير
كاتبة مغربية
حياتك بحر، صانع الإرادة فيها بوصلة، ولْيَكُنْ موطئ قدميك سفينة. أما مُضِيُّك في هذه الفلاة، فلا يختلف عن رحلة بَحَّار استهوته مغامرات عالَم البِحار..
عن البحر والحيتان، عن محيطات النسيان التي تسافر بالإنسان مما هو عليه إلى غير ذاك الذي كان، عن عناقيد الصبر الواعدة بشيء من الفرج حتى حين، عن غَدٍ لا يكاد يستبين، عن مساحات الصمت الغارقة تحت الماء، عن فائض الأهواء التي تجدد بَيعتها لعقيدة السماء، عن ضوء وظل، عن صمود لا يكلّ، عن النصف غير المضيء لقمر الأيام، عن مجاديف الأحلام، عن المسافة الضيقة بين داخلك والباب، عن مطر المنى وفاكهة السراب، عن كل هذا يحكي لك المغامِر الجميل هيرمان ميلفيل Herman Melville.
وأنتَ على مشارف مدينة الكتابة عند الروائي والكاتب والشاعر الأميركي هيرمان ميلفيل، لا شك في أنك ستستحضر عنوان «موبي ديك Moby Dick»، إنها الرواية الحالمة التي تَشهد بأسرار البحَّارة وأغوار البِحار بين قِلَّة صبر الزمان وثورة الحيتان..
كُلّ تلك العوالم الزاخرة التي تنبض بها رواية المغامرات البحرية تلك (بما استحضرته من فطنة كاتب لا يَخونه الخيال) لن تُصَدِّقَ يا صديقي أنها قد بخلت على هيرمان ميلفيل بالاعتراف، فإذا به المسكين لم يَجْنِ شيئا من ثمار التنويه ولم يحصد شيئا من سنابل النجاح..
كل ما يُذكَر هنا هو أن «موبي ديك» أو رحلة المغامرة البحرية تلك لم تَعد على صاحبها بنصيب من الفضل إلا بعد وفاته بزمن..
ولا غرابة أن يحدث مع هيرمان ميلفيل ما سبق أن حدث مع عمالقة الكُتَّاب والمبدعين والمفكرين في أزمنة سابقة، فلا أحد منهم قد نال شيئا من الشكر والتقدير إلا بعد أن جثم الموتُ وانتشل الروحَ من الجسد كما لن ينجو من ذلك أحَد..
ما قلناه عن مصير كتابات «نيتشه» العبقرية، ومنها «هكذا كلمني زرادشت»، سنقوله عن درر نوابغ رجال الفكر والأدب، وهذا هيرمان ميلفيل على شاكلتهم يسبح بعيدا عن مدن الضوء، فإذا بخياله يضيء بعد أن أظلمت حياتُه هو الآخَر..
صاحبنا هيرمان ميلفيل، شأنه شأن العشرات والمئات من رجال القلم الذين امتحقتخم الحياة، خبرَ شقاء الأيام وعناء تحقيق الأحلام في بلاد الإنسان الذي ينام، لا ينام هو إلا ليستفيق على رغبة أكثر صهيلا حُبّا في القفز من أعلى الجسر لالتقاط شيء من اللآلئ الواعدة بالتصفيق للقلم..
هيرمان ميلفيل، وإن كان قد ولد ونشأ في مناخ نفسي تنصهر فيه المادة لتقول لِسَيِّدِها «لبَّيْكَ»، لم يَسْتَطِبْ المسكين حرارةَ الرمال التي كان عليه أن يواصل المشي فوقها بقدمين حافيتين..
رغد العيش لا يَعِد بِـ «فاصل ونُواصِل»، وغيمة البذخ لا تسمح بأن تحلبها مجددا بعد أن يتَقَلَّصَ جو الرفاهية التي كان يَعِدُ بها والدُه (رجُلُ الأعمال الناجح في مجال اشتغاله) ثمانيةَ أبناء ما كان الأب لينتبه إلى كثرتهم في ظل السخاء الذي لا تبطله تجارتُه المربحة..
وفاة الأب لا شك في أنها ستنذر بالزلزال الذي سيرجّ سقفَ العائلة، فماذا بعد أن يخيب الخَلَف في ضمان استقرار الجدران التي بَناها السَّلَف؟!
هكذ تنحدر الحالة المادية لعائلة هيرمان ميلفيل، فإذا به لا يَجِدُ قبالته غير البحر الواسع لِيُفْرِغَ فيه كاتبنا حزنه الكبير، وهذا أقصى ما في استطاعة الإنسان الباحث عن هامش من الحرية..
السفر حلّ مثالي يشجع على النسيان (ولو جزئيا) لسائر الأحزان التي تأكل القلب في صمت كما تأكل النارُ الحطب، ولهذا أطلق هيرمان ميلفيل الحالم بالمغامرة ساقيه للموجة..
الحياة موجة، موجة هي تقذف بك من المحيط إلى المحيط، تليها شبيهاتها في العنف لا العنفوان، وقَدَمَا هذا الـ«هيرمان» ميلفيل لا شك في أن قدَرها قد ضرب لها موعدا مع الموجة الهاربة عن شاطئ الأحزان..
يقرر هيرمان ميلفيل مُكْرَها لا عن طيب خاطر أن يَهوى الْمَخاطِر، ومن ثمة يركب هو مركبَ المغامرة ليبحر في اتجاه المجهول إلى أجل غير مسمَّى، ومن هنا تبدأ حكايته مع مَرَدَة البحر وحيتانه البشرية..
إنهم المتحكمون في عالم البحر أولئك الذي يملكون مفاتيح فَكّ شفرة لغة البحر، فإذا بهؤلاء البحَّارة الضعفاء على شاكلة هيرمان ميلفيل يشقُّون أكثر من طريق في عرض البحر لَعَلَّهم يعودون بشيء من أسراره وغرائبه..
بين الهروب والفرار، ومعاقرة الماء رغبة في الانتصار (الانتصار للنفس اللامطمئنة) يجود البحر باللاحياة واللاموت، ومن هنا كانت بداية كتابة هيرمان ميلفيل عن مغامرات البحر..
ولأن رياح التعجيز تجري بما لا تشتهي سفنُ الرغبة، فإن المعذَّب بين بحر الواقع وبحر الذات هذا المسكين هيرمان ميلفيل لا يجني غير الشوك، فإذا بالقلم يخونه الحظ مع الشهرة، وإذا بأبواب الانتشار تُوصد دونه هو الكاتب بإصرار..
«موبي ديك» الرواية الناقمة على البحر والحيتان نَجِدُها تعالج مشاكل البحر بإتقان، لكن المصير السيئ للرائعة تلك لا ينفض عنه الغبار وتراب النسيان إلا بعد غروب شمس البائس ميلفيل هيرمان..
بعد حلول زمن الزهد في الكتابة الروائية المخيِّب لأفق انتظار هيرمان ميلفيل، ستجِدُه يتوسل بِالناي، ناي الإحساس المرهَق/ المرهَف لِيُفَصِّل مشاعِره على مقاس الشِّعر، صدِّق، صَدِّقْ أنه تعبُ الروح ذاك الذي يَقود الواحد منهم (ومنهنّ) إلى غابات الشِّعر الواعدة بالظلال والصفاء يا صديقَ أيامي الحلوة والمرة..
رحلة عمر مضنية أنفق فيها هيرمان ميلفيل سنوات عطائه بين العمل كمحاسب ومستخدم بنكي ومدرِّس ورحّالة تشتهيه المحيطات، قبل أن يتفرّغ للكتابة التي تسلَّل إليها كلما رغب في شيء من البقاء مع نفسه، ينصت إليها وتنصت إليه، يجاريها وتُجاريه..
صحيح أن هيرمان ميلفيل تزوج من ابنة عائلة عريقة النسب وأنجب أربعة أبناء، إلا أن هنالك فجوة داخلية ظلت تتسع وتتمدد في أعماقه الجاثمة فيها مرارة الشعور بذاك الشيء الهارب منه رويدا رويدا بينما يشقى هو الشاعر بحاله ركضا وراءه عبثا..
وكغيره من صُنَّاع الروائع الإبداعية والنافضين عن قطعهم الفنية الثمينة غبار الإحساس باللامبالاة، كانت في انتظار هيرمان ميلفيل نهاية بائسة، نهاية لا تُصَفِّقُ لها عيناه المتداعيتان ولا قلبُه الذي شيَّعَهُ قدَرُه بعد أن كَفَّنَتْهُ في اتجاه اللارجعة تلك الأزمة القلبية التي لم يَحسب هو الْمُعَذَّبُ حسابَها..
نَعَم صحيح، معذَّب هو هيرمان ميلفيل، ولا غرابة أن تقول حالة «الصرع» التي انتابته كلمتَها لتقتص من إرادته وحرصه على وطنٍ بسعة الهدوء الراكض من بحر إلى بحر..
الصرع يساور هيرمان ميلفيل ليقصقص جناحي رغبته في الوصول إلى وطن السلام النفسي المعلَّق، وكأنَّ قَدَرَ كل من أرَّخوا ذاكرة إبداعهم وفكرهم لِيُحَدِّثَ بها تاريخُهم الأجيال اللاحقة قَلقٌ دفين ومجدٌ مؤجَّلٌ وجنون عابر لقارات الجسد المشروخ قبل أن يطرق الموتُ بابَه أو يركضَ إلى ساحة الموتِ الجسدُ..
نَمْ بسلام هيرمان ميلفيل، ولكَ من القلب تحية.

سعاد درير