كتاب وأراء

الجـريـمة مسـتمرة.. وضحاياها أطـفالـنا

توفي في 28 / 12 / 2019 الفنان اللبناني رينيه بندلي، ولم يلفت النبأ انتباه أحد، مع أن الرجل أسس مع إخوته وأخواته (12 فرداً) فرقة موسيقية غنائية اشتهرت كثيراً في أواخر سبعينات القرن الماضي وأوائل ثمانيناته. جربت هذه الفرقة كل أنواع الغناء، ثم توارت الفرقة كلها، وفجأة أطلت علينا طفلته «ري مي» بندلي (الدرجة الثانية والثالثة من السلم الموسيقي) واشتهرت الطفلة الصغيرة إلى حين، ثم انحجبت الأضواء عنها، وتشتت شمل الفرقة، وهاجر أفرادها إلى بلاد بعيدة
وتذكرون أغنية اشتهرت كثيراً «بابا فين» وهي أغنية تافهة لحناً وكلمات، لكن المهم أن الأطفال أدوها، واشتهر الأطفال إلى حين، وسرعان ما استغل تجار «المخدرات الفنية» هؤلاء الأطفال، وجمعوهم في فرقة، وأقاموا لهم حفلات هنا وهناك، حتى اختفت الأضواء، ولا أدري ما حلّ بالأطفال بعد ذلك، لكن الأسوأ من هذه الجرائم الصغيرة في استغلال الأطفال والطفولة جريمة ما زالت مستمرة واسمها The Voice Kids صحيح أنه تقليد لبرنامج أجنبي، ولكننا لسنا مجبرين على تقليدهم في كل شيء حتى إذا دخلوا جحر ضبٍ دخلناه وراءهم.
البرنامج الأساسي هو «الصوت» The Voice ولنا عليه ألف ملاحظة واعتراض، لكنه أقل أذى من نسخته المخصصة للأطفال
يأتي الأهل المأخوذون بالأضواء والشهرة بأطفالهم، وقد تفننوا بإلباسهم ملابس ليست لهم، وسرّحوا شعورهم كنجوم السينما والغناء، ويدربونهم على أغنيات لا يفهم الأطفال منها شيئاً وقد لا يفهمها الكبار، (سمعت طفلاً يغني: ريم على القاع بين البان والعلم، وآخر يغني: حبيبي على الدنيا إذا غبت وحشة، أو: الزينة لبست خلخالا) ويتبارى هؤلاء الأطفال، وتختار اللجنة بعضهم، ويخرج من المسابقة آخرون، ولك أن تتصور الحزن الذي يخيم عليهم، وكيف يبكون أحرّ بكاء، لأن اللجنة «غير المؤهلة للحكم على المواهب» طردتهم
لقد غذّى الأهل في نفس الطفل هذا الطموح، ولعلهم دفعوه إلى هذا، ورأى الطفل ما يتمتع به المغنون من شهرة وثروة، فما عاد يحلم إلا بأن يكون مغنياً، وربما ممثلاً، لكن هذا طريقه طويل، أو لاعب كرة، وهذا دربه طويل أيضاً، لم يعد العالم والطبيب والمدرس (أو الأستاذ الجامعي) قدوة، بل صار آخرون قدوة، دون تعب أو دراسة، يكفي أن تجيزه اللجنة ليصبح نجماً، فهل صار أحد منهم نجماً؟ وابن السنوات العشر هذا، كيف سيكون صوته في سن البلوغ؟ هل يبقى على ما هو عليه؟ هل يدرسونه الموسيقى والشعر واللغة وغيرها؟ وهل يعرفها أعضاء اللجنة أنفسهم؟ لا يهم، المهم أن يستمر البرنامج لتحقق المحطة مزيداً من الأرباح.
بقلم: نزار عابدين

نزار عابدين