كتاب وأراء

الاهتمام بالمعرفة له تأثيرات إيجابية.. لماذا أقرأ ؟

ما الذي تعنيه لي مساحة المعرفة، المعلومات.. تجارب الحياة.. آداب المجتمعات، مذكّرات الحياة الشخصية والروائية، لماذا عليَّ أصلاُ أن أهتم بهذه المعرفة وأقرأ لأجلها؟
أعتقد أن هذا هو السؤال الذي يُفترض أن يطرحه الإنسان وخاصة في مرحلة الشباب، عن دور القراءة العملي في حياة الفرد، دعونا نعرض صورة أخرى، من نماذج الاهتمام الآخر للفرد في الوطن العربي.
كم يأخذ من أعمارنا.. من صحتنا، من استقرارنا النفسي من هدأة البال، تلك الروح التي تتمكن من ذواتنا، فيتطور لديها مراقبة الآخرين ثم نقدهم، ثم غيبتهم ونميمتهم، وتراها رويداً رويداً تتمكن من النفس، حتى يكاد يضيق باليوم، الذي لا يمارس فيه مهمة أكل لحوم الناس، أو تتبع حياتهم الشخصية.
كم يأخذ من أوقاتنا الانغماس، في مواقع التواصل الاجتماعي يومياً، خمس ساعات أم ثماني ساعات أم أكثر، ما هو الاستنزاف الشعوري، حين تكون المواد المتَابَعة في التواصل الاجتماعي حالة جدل شرس، لا فهماً علمياً ولا رأياً سياسياً، ماذا لو خصّصت من هذا الوقت ربع ساعة يومياً إن شئت، هذا يعني أنك قد تنهي كتاباً، بقراءة تأملية هادئة خلال 8 إلى 10 أيام إن كان في حدود 200 صفحة.
حسناً.. وماذا يعني لحياتي أن أقرأ؟
إن سلة القراءة متعددة، خاصة حين تُحسن اختيار باقتك بدقة، فلو فرضنا أنك تحب أن تقرأ للمذكرات الشخصية، وخاصة الذين خاضوا تحديا لبلوغ نجاحهم، فستجد أنك تشكل حصيلة خبرة ودراية استباقية، لحياتك العملية وربما الاجتماعية حسب مادة الكتاب.
ماذا لو أنك كنت تحمل تصوراً وهمياً عن فكر معين أو حياة شعب محدد، أو حتى تصور عن دول أو مجتمعات شريكة لنا في هذه الحياة، فإذا بقراءتك تحوّل ذلك الرأي السطحي الخاطئ، إلى مفهوم غني وواعٍ، يفهم رحلة هذا المجتمع في تاريخ البشرية المعاصرة، أو الزمن القديم، حين يكون المصدر، قد حددته بعد سؤال وبحث، فاتضح لك مصداقيته وبعده عن البربوغندا وبالذات في التاريخ.
تصور أنك كنت ذلك الرجل أو المرأة أو الشاب أو الشابة، ثم كان عقلك ووجدانك منشغلا بالصراع الشخصي، أو متابعة المشاهير التافهين، وفجأة أضحى الكتاب مع قدح القهوة وكوب الشاي، واستراحتك على كرسي استرخاء، أو في مقهى أو على ناصية ساحل، نزهةٌ تتعرف بها على معارف هذا العالم، وتقرأ في مساحات الأخلاق والفكر.
تصور ذاتك قبل وبعد، حين تستمع إلى لغط جدلي، فيما تبين لك أن المرجع المعرفي الذي هُديت إليه، قد أرشدك إلى أن هناك في خزانة العلم، ما يجعلك صاحب عقل، فلا تضطر بعده لأن تكون أحد الجمهور الأعمى.
إنك تخلق لك رصيفاً يحوّلك إلى كائن إنساني مختلف، اغتنَم حبل ربه الذي خلقه وكرّمه بالعلم، ثم صنع لذاته سلماً جعله أكثر احتراماً لنفسه وأكثر وعياً بأحاديث الناس وتمييزاً لهم، وهو ما أضحى منعكساً على حياتك وشخصيتك عند أهلك ومجتمعك ورفاقك.
واليوم يزدحم العالم بنظريات صراع، تطيش فيها الكتب، دون أن تبلغ النفس جودي المعرفة الراشدة، التي تحترم الروح والحقوق وتفهم مسيرة هذه الحياة، وعلاقتها بالإيمان والإحسان والنجاح في رحلتنا الدنيوية، وذلك بسبب أن هناك حالة انقطاع عن القراءة المتوازنة، ثم رأى الشاب أو الشابة ذاتها في هذا العصف، ولم يكن هناك ما يكفي من تأسيس متوازن، يفهم مدلولات العلم دون توظيف، فيدرك بعقله وقلبه الحقيقة بروح قراءته المتأنية.
تصور أن هناك مجموعتين من الشاب وصديق مشترك بينهما، المجموعة الأولى تصر على أن يصحبهم إلى صحراء يتنافس فيها الشباب على قدرات مركباتهم، وهم تحت الخطر الداهم، والمجموعة الأخرى تدعو الشاب إلى حلقة قراءة كتاب ومناقشة فكرية، في آخر لحظة تحول الشاب إلى المجموعة الثانية، وحين انصرام الجلسة شعر أنه إنسان يولد من جديد، ويرتفع عن المخاطر والسفاهة، قبل أن تطحنه عجلة الحدث الحزين لرفاقه.
بقلم: مهنا الحبيل

مهنا الحبيل