كتاب وأراء

القصّ في زمن المقصّ

د. سعاد درير
ها أنا أغادر الـ «كارفور» دون أن أشتري شيئا، ليس لأن الأشياء لا تليق بانتظار المرء، إنما لأنني أخفقت في العثور على الشيء الذي يرضيني لأضيفه إلى «كوليكسيوناتي» المفضلة بالألوان المحببة إلى نفسي..
وجدتني أدفع قدميّ لأتقدم خطوات تفصلني عن المدرسة الابتدائية التي كنت أدرس بها..
أعود إلى تصفح كتاب ذاكرتي الجميل جمال أهل الزمن الجميل، وإذا بي أقف عند نص قديم يحمل عنوان «قطعة من قلبين»، كبرنا ولم يكبر النص..
محكي «قطعة من قلبين» يلقي الضوء على لحظات مفصلية جمعت طفلا صغيرا بامرأتين تدعي كل منهما أنه طفلها، فلما قصدتا من يحكم في أمرهما اتضح أنه يطلب منهما ما يعجز المرء، إذ رأى أن يقسم الطفل إلى نصفين على أن تحتفظ كل واحدة منهما بالنصف..
وافقت الأولى دون تردد، بينما صرخت الثانية قائلة: «لا»، فوضت المسكينة أمرها لله وقالت إن كان لا بد من ذبحه فلتأخذه المرأة الأخرى كما هو..
طبعا لم يشك القاضي بينهما في أمر المرأة الثانية، فأمر بإنصافها فورا، وأعاد الطفل إلى صدرها، فالأم الحقيقية قد تقبل أن يتم ذبحها على ألا يمتد خنجر ليجرح صغيرها..
كبرنا يا صديق أيامي الحلوة والمرة، ولم يكبر النص ولم يشخ، فمازلت أردد القصة على مسامع طلبتي لنلعق معا شيئا من عسل ملكة النحل..
إنها القصة الملِكة، وما النحل سوانا نحن ونحن نتلهف على اعتصار شهد حكمتها وهي مازالت سيدة القصّ حتى في زمن المقصّ..
في كل مرة أقول لطلبتي ألا يحفظوا شيئا، أفصل لهم كل شيء على مقاس القصة، حببتهم في اللغة العربية، وحببتهم في التاريخ الذي أصبه لهم في قوالب قصصية رغم أن التاريخ خارج نطاق تخصصي..
في كل مرة نحلب النصوص القديمة، ترانا ننحني بإجلال لمن ألّفوها وكتبوها.. ولأن القصة عروس الفنون، فها أنا في كل سنة أروض طلبتي على الحكي بلغة شعرية، وإذا بحصان اللسان يركض بلا سيقان بين ضفتي السرد السير-ذاتي والمتخيل العجائبي..
لنعُد إلى غابات الأدب الأصيل حتى نستظل بظلاله الوارفة التي يليق بالأجيال الصاعدة أن تتخذها قدوة، ولنقدم لشبابنا ثروة من المعرفة التي لا تتقلص مهما ضرب التصحر مُدُن الثقافة..
نافذة الروح:
- «بلبل الحظ يبتلع لسانه».
- «أربي شيئا من الحكمة تحسبا لمضاء أسنان الأيام».
- «جزر الحرية يمتصها البحر الميت».
- «بيننا منديل ووردة وقلم شفاه».
- «معطف الزمن أكثر برودة من شتاء العواطف».
- «بين الجود والجحود حرمان».
- «أشقى الناس أكثرهم جهلا لفن مداواة الزمن».

سعاد درير