كتاب وأراء

عن بلادنا الجميلة.. ومقولات السياسة

لم يتح لي في زياراتي الأولى إلى مصر، قبل أن أستقر فيها عام 2012، أن أعرف منها غير القاهرة، إذ كنت آتي إليها في دعوات ثقافية، أغلبها أثناء فترة معرض الكتاب، حيث كانت فعاليات المعرض تأخذ وقت الدعوة كله، خصوصا أن الزمن في القاهرة، بالنسبة لي، كان يختلف عن ذلك الذي كان في دمشق، فحجم القاهرة وزحامها الشديد، ومسافاتها الطويلة لا يسمح سوى بمشوار واحد في اليوم داخلها، الزحام والمسافة يستهلكان الوقت والأعصاب، هذا غير أن القاهرة بحد ذاتها مغرية بتنوعها وعمارتها وأهراماتها ومتحفها ونيلها، فلا يشعر زائر لها لمدة قصيرة أنه محتاج للخروج منها إلى باقي أنحاء مصر، التي اكتشفت بعد استقراري فيها بشكل كامل، أن ما كنا نعرفه عنها هو أقل بكثير من الحقيقة، وأن القاهرة على أهميتها، لا تشكل سوى جزء بسيط من تنوعها وغناها المذهلين فعلا لا قولا فقط.
أعيش في مصر منذ ما يقارب الثماني سنوات، يمكنني اعتبارها من أغنى سنوات حياتي، من حيث معرفة المعنى الحقيقي للمدينة الكبيرة، ومن حيث معرفة طبقات المجتمع العربي الذي تمثل مصر، والقاهرة تحديدا، شكله الأكثر وضوحا وحضورا وثراء، ومن حيث معرفة التاريخ الذي أراه في كل مكان أو منطقة مصرية أذهب إليها وأزورها، ومن حيث الاستمتاع بتنوع الطبيعة التي أعطت مصر أجمل ما فيها، نهرا عظيما كالنيل، لا يشبه نفسه، من القاهرة حتى أسوان، وبحرين مذهلين (الأحمر والمتوسط)، وصحراء شاسعة، وواحات مذهلة الجمال، وبحيرات مدهشة وغنية بالثروة المائية، وأريافا غنية بطمي النيل بالغ الخصوبة، وعراقة العمارة في المدن الكبيرة، قصورا وعمارات ومساجد وكنائس، وطبعا فإن الحديث عن الآثار الفرعونية هو حديث نافل، فعظمتها تشغل العالم منذ أزمان طويلة، وهو للأسف، ما لا يعيه كثرٌ، فمتاحف العالم تمتلئ بالثروات الفرعونية المذهلة، التي كان يمكن لو أنها بقيت في مصر، ولو أتيح لمصر ألا تبتلى بما ابتليت به كل بلاد العرب، من استعمار واحتلالات متعددة لكانت مصر تحولت كلها إلى متحف تاريخي وإنساني بالغ الثراء، ولعاش شعبها الطيب والمتنوع في أحسن حال، لكنه قدر هذه الشعوب، بتواريخها العريقة، أن تبتلى بما ابتليت به.
لعل أكثر ما لفتني في جولاتي في مصر هو سيناء، ببحرها الأحمر العظيم، وبمناطقها السياحية، سواء منها التي تم إنشاؤها لتستقبل السياح في فنادق ومنتجعات بالغة الجمال، أو تلك التي لم تمسها يد إنسان وبقيت على عشوائيتها المدهشة، وبساطتها النادرة، أو تلك المناطق التي تحولت إلى محميات طبيعية ممنوع المساس بثرواتها المائية أو الرملية وإلا وقعت تحت طائلة المساءلة القانونية، مساحات شاسعة من امتداد البحر والتقائه مع الصحراء، وتنوع مذهل في عمق البحر، من أنواع الأحياء المائية، أسماك وسلاحف ودلافين وقرش وشعب مرجانية مذهلة، ألوان وأنواع وأشكال، لا ترى إلا في أماكن قليلة في العالم، متداخلة مع صحراء رملية بألوان عديدة، وجبال صخرية نحتتها يد الطبيعة وشكلت منها تحفا فنية لا يمكن لمن يراها إلا أن يعظم خالقها لفرط جمالها وندرتها!
على أن ما كان يشغلني وأنا أتمتع بجمال سيناء، هو التفكير أن هذا الجمال كله كان حتى زمن ليس بعيدا، ممنوعا على المصري أو العربي مثلي، إذ ظلت ما يقارب العشرين عاما تحت سيطرة إسرائيل التي احتلتها فعليا منذ عام 1956، ولم تعد إلى مصر بشكل نهائي إلا عام 1979 بعد اتفاقية كامب ديفيد، لولا هذه الاتفاقية لما تمكنت من رؤية هذا الجمال والاستمتاع به مع أصدقائي المصريين والعرب، إذ لم تنسحب إسرائيل حتى اليوم من أية أرض عربية احتلتها منذ فرض وجودها على العرب، وما قيل عن تحرير مدينة القنيطرة السورية ليس سوى وهم كبير، إذ ما معنى الانسحاب العسكري من مكان ما، لكنه يبقى، بموجب الاتفاقات، مدمرا ومجرد أطلال ولا يمكن لأهله العودة إليه أو زيارته ؟! كيف يمكن أن نعتبر من أعاد أرضا بهذه المساحة وهذا الغنى والتنوع إلى أهلها خائنا، ومن عقد اتفاقا لتبقى مدينة من مدن أرضه المحتلة مدمرة ومهجورة رمزا للوطنية؟! كم من البديهيات التاريخية والسياسية يجب علينا أن نعيد التفكير بها بناء على معطيات سياسية حديثة؟ وكم من المقولات (الوطنية) الجاهزة يجب أن نستعيدها لنكتشف كم كنا ساذجين؟!
بقلم: رشا عمران

رشا عمران