كتاب وأراء

شباب الشك العربي والتكفير التحريضي

هناك اليوم حالة صاخبة في الإعلام الجديد، عند التعامل مع شباب تخلوا عن الإسلام أو ظاهرة الشك والتساؤل، الذي بعضه مشروع وبعضه مرتهن بفكرة المنظومة الغربية للحياة، بين التسليع والتأليه للإنسان، فبعض الحوارات أو العبارات التي وردت فيها مفاصل الخلاف، قد تكون أحياناً بناءً على حنق هذا الشاب أو الشابة، من ركام ما وجده في تجربته مع هذا الشيخ أو التيار الديني.
وهناك تفصيل فلا يوجد تطابق لكل الحالات، وهناك توحّش سلوك أيضاً من مشككين ومحتجين، وهناك أسئلة استفهام وحيرة، وهناك غضبٌ مكنون من نموذج التدين الإقطاعي أو الحزبي، أو الموظف سياسياً أو خشونة اتسم بها متدينون، وهذا لا يعني بالمطلق صحة كل موقف احتجاجي أو صحة تعميمه على الإسلاميين.
ولا يعني أيضاً أن نموذج المشكك أو المحتج، قد خلق بناءً إنسانياً رشيداً، خاصة أن إسقاط الروح ومراقبة الله الذي يدعو للرحمة والرفق والإحسان للوالدين، والرفق بالحياة والبشر، هو في الحقيقة إسقاط لبعد أخلاقي مُعين على العدالة الإنسانية.
كما أن هناك حالات انتهجت خطابا عدائيا صريحا، ضد الإسلام وتحريض على المسلمين، بغض النظر عن مسبباته، وفي الأصل القرآني مصطلح الكفر وضع في إطار الوصف، وشُرّع كحق للإنسان عند أول دعوة البلاغ.
لكننا اليوم نواجه مسلكاً يتعقب بعنف الرأي الحائر والمشكك، المنتقد لحالة التدين هنا أو هناك، ونلاحظ هنا أثر تدهور حالة الإنسان في الوطن العربي، بعد سقوط الثورات، على الصراع الفكري، في ظل كوارث حقوقية تهيمن على الناس، تحت سيف الاستبداد، الذي يستثمر موقف الرفض للإسلام، كما استثمر ولا يزال التدين الحزبي أو التراثي.
ولذلك نحن هنا نراجع هذه القسوة والتحزب، لأجل التكفير التحريضي، وليس لرفض أن يوصف من يتحول إلى دين جديد بما اختاره، ولكن هل اختار ذلك يقيناً؟
أم أنه يُدفع لهذا السياق بسبب صراعه الفكري، ولكون دمغه بالكفر والجزم بولوجه النار مخلداً، ينطلق من دافع صراعي، لا يراعى فيه مطلقاً ما هو المتأول من حديثه، وما هو القطعي فيه، وما الذي مات عليه، بل تشعر بأن هذه المجموعات حريصة على إدخاله للنار ونزعه من عالم المسلمين، لأسباب سياسية أو صراعات تياريه، بدلاً من النقد بخطاب أخلاقي مع المختلف.
والحقيقة أن الشراسة غير الأخلاقية، باتت ظاهرة اليوم، تضرب حتى المختلفين داخل الساحة الإسلامية، وخاصة الناقدين للتجارب الحزبية، كما جرى مع د. سيف عبد الفتاح.
وهذا العنف لا يمكن أن يعتبر لغة مشروعة ضد أولئك الشباب، وخاصة القطع بالتكفير أو ولوج جهنم وغيرها، من المصطلحات، وهذا لا يمنع المثقف الديني، أن يناقش تلك الأطروحات، بخطاب علمي، وحتى ما يراه يخرج عن الإسلام بالكلية، أما الإنابة عن الرب في مدافعة أولئك الشباب باسم الله، واعتبار أن هذا التقرير الذي يحشده هذا المثقف أو الشيخ، قطعي الدلالة والثبوت على رقاب الناس، ويجب أن يتعاملوا مع المستهدف من خلال ما يقررونه، فهذا احتشاد نفسي وحقد اجتماعي لا علاقة له بحوارات الفكر.
إن منظومة الأخلاق وجوهرها في الإسلام، أعطت مساحة واسعة لتناول ما يصدر عن الآخرين، وفرز الحكم على ما مضت حياته عليه، أو مآله إلى ربه، وتجد لدى نماذج من السلف تورعاً كبيراً في تصدير هذه الأحكام.
وهنا يظهر لنا على سبيل المثال، أن لهذا الشاب أو تلك المرأة المخنوقة، من حياتها الاجتماعية عبر المستبد السياسي، وتسخيره أو تسخير ذلك النموذج الذي تعاملت معه، أو تعامل معه الشاب، دور في بأسهم على المتدينين والتعريض بالإسلام.
بعضهم توسع واستُخدم ضمن مشروع الإلحاد الاجتماعي، لكراهية الإسلام ومحاربة حقوق المسلمين المدنية، ولكن البعض الآخر وهم الغالبية الساحقة، له حاله مع ربه، حسب ما يعتقده، ذاتياً، لا ما يطلب منه هذا الشيخ أو ذاك التيار، فمن يملك الحق أن ينزع حبله مع الله؟
بقلم: مهنا الحبيل

مهنا الحبيل