كتاب وأراء

أنــثى «هـــيريـيـت» !

بقلم :
سعاد درير
كاتبة مغربية
عن عزلة النفس الباردة في كوخ الحياة المظلم، عن حفرة العبودية الخائنة لأحلامك واشتهاءاتك كإنسان، عن الوحشة والمعاناة والألم الدفين والأمل المصلوب على جدران انتظار «غودو» الذي يَكفر بوعده، عن قيود دواخل الإنسان الحائر بين الرغبة والعصيان، عن ذاك تحكي الكاتبة الأميركية هيرييت بيتشر ستو Harriet Beecher Stowe..
عالم رهيب من الحياة الأقرب إلى شكلها البدائي، ذاك الذي لم يخلُ من حالة توحش، من اليقين أنك ستصادف شيئا منه وأنت على مشارف الغرق في بحر الحكي، صدق يا صديقي أنه البحر الذي ستستدرجك إليه رواية «كوخ العمّ طوم»..
في هذه الرواية التي تقف عند تفاصيل رحلة السود في قلب أدغال الحياة الأميركية، ستصاحب الشخصيات، تتحسر حينا، وتتطلع حينا آخَر إلى أفق يُغْرِي بالتقاط شيء من الأنفاس الهاربة عن دنيا الناس..
إنه إلهام هيرييت ستو، إلهامها الممهور ذاك بطَعم الحياة المرة تلك التي يتنفسها السود بأميركا من ثقب إبرة، حياتهم الراحل عنها الضوء كيف لها أن تشجعهم على المضِيّ وهم يتمرغون في أوحال العبودية..
قسوة وذل وخضوع وهوان وتعذيب وامتهان، كل هذا فَجَّرَ في هيرييت ستو الكثير من إحساس الإنسان بخيبة السقوط في مستنقع اللامبالاة، إلا أنها غَدَتْ أكثر اكتراثا بما يحوم حولها من مظاهر اللاحياة واللاموت..
مَن يصدق يا صديق أيامي الحلوة والمرة أن هيرييت ستو التي كانت في بدايات حياتها تتسلى بخربشات على الورق ها هي ذي ترقى بإحساسها الناضج إلى مستوى وضع اليد على الجرح؟!
مساحة الحياة في عيني هيرييت ستو كانت تضيق أكثر فأكثر تحت سقف المهانة العابثة بإنسانية الإنسان، هذا الإحساس الجاثم كالصخرة على الصدر كان ينكأ الجرح..
وأول الجرح صرخة دفينة، صرخة الرفض تلك التي أعلنت التمرد في دواخل هيرييت ستو، وكأنها، وكأنها (هيرييت ستو) ما عادت تقوى على لجم صهيل حصان المشاعر ذاك الثائر مزمجرا كريح عاتية حالفة على عدم تكريس واقع الاستسلام..
صوت خفي في نفسها آن له أن يحلم بشيء من التغيير، ولا طريق إلى التغيير سِوى إرساء سياسة الرفض أَحَبَّ من أحبّ وكره من كره..
لنقل إن الإيمان بإمكانية التغيير كان كفرا في حالة الكاتبة والشاعرة الرقيقة هيرييت ستو، لاسيما وأننا نتصور أن والدها القسيس ليمان بيتشر Lyman Beecher ما كان ليسمح لها بأن تُفْرِغَ إحساسها في قوالب شعرية وروائية وسواهما..
الإيمان بضرورة الثورة كفر، وتفكير هيرييت ستو في أن تفشي لصدر الورقة أسرارها وأحاسيسها الراكضة في ساحة الأنوثة من المؤكد أنه جريمة يعاقب عليها قانون العائلة..
لهذا كان على هيرييت ستو ألا تنسى حرارة الصفعة الساخنة تلك التي تلقتها على يد أختها الكبرى بعد أن وجدت في أوراق هيرييت ما يفضح موجة إحساسها الرقيق..
اعتناق دِين الأنوثة ثورة تَعِدُ بحلول اللعنة، مع أن المسكينة هيرييت ستو لم تقُلْ في أوراقها شيئا أكثر مما يقوله إحساسها كأنثى ترى بعين الأنوثة ما لا يراه الآخرون..
لكن القراءة الخاطئة لشقيقة هيرييت ستو وهي تتصفح أوراق أختها هي ما أدت إلى الفهم اللاصحّي، وإن كنا نستنكر كيف يعقل لإنسان أن يصادر إحساس أنثى مرهفة، فما بالنا وهذا الإنسان الرافض لصرخة أنثى هو بدوره أنثى؟!..
لهذا كله، ارتأت هيرييت ستو بعد تلك الواقعة أن تخفف شيئا ما من بوح أصابعها الشقية وهي تتمرد على قاعدة الخنوع تلك التي لا تشذّ عنها إناث القبيلة، فكيف لنا من ثمة ألا نتوقع الكلمة الأخيرة لذكور القبيلة؟!..
وتيرة الحياة الباردة سيتسلل إليها لاحقا شيء من الحرارة بعد أن تبدأ قصة هيرييت ستو مع رجُل الدين كالفن ستو Calvin Stowe، إنه رجُل تصيِّرُه الأحوال زوجا لها، وفي قلب هذا البيت الذي يجمعهما بكل الدفء الكائن ستنجب هيرييت ستو ستة أبناء وهي مازالت على طريق عقدها الثالث..
سنوات الثلاثين تلك تَجود على هيرييت ستو بنصيب يُحسَد عليه من الأطفال، غير أنها تجود أكثر فأكثر بقبس من نور يتأجج في صدرها كالجمرة الواعدة باشتعال لا تنطفئ له شظية ولا يَغِيب عنه نَفَس من أنفاس الإيمان بذلك الكون الداخلي الملتهب هو الساكن فيها والباحث له عن متنفَّس للثورة ثورة بركان..
إنها الحاجة إلى أن تستجيبَ هيرييت ستو لنداء الروح المعانقة لكل ما يمتص الضوء من الحياة، إنها صرختها تلك التي لم تطلق لها العنان لتتجسد شاخصة على الورق..
قلقٌ رهيب كان يَعتصر سفينة الروح الباحثة لها عن مرفإ، قلقٌ حالف ألا يتبدد إلا بعد أن تقول له الأصابع: «تَهَيَّأْتُ لكَ»، قلقٌ كان من الطبيعي أن يتحول إلى قلق مشروع بعد أن تفسح له هيرييت ستو المجال ليَمُرّ، ولو من الباب الضيق في زحام انشغالتها كأمّ وربّة بيت ناجحة وزوجة تَصِل بزوجها إلى قمة الرضا..
إنه الرضا رغم تواضع مواطن جمالها كأنثى، غير أن الجمال الحقيقي كانت تضمره هيرييت ستو بعيدا عن مُدُن الضوء إلى أن انساب كالشلال وتفجر كعين الماء الواعدة بقلب صفحة زمن العطش..
جمال هيرييت ستو هو ما شكلته هي لاحقا بعد أن أذنت لانطلاق مشروع فكرها التحريري، وامتثلت الأصابع منقادة وهي تلبي نداء القلب والقلم اللذين أقسما أن يفضحا المستور..
زمن العبودية لم يكن ليُعمي عيني هيرييت ستو وقلبها، كانت هي ترفض رفضا لاذعا واقع سنوات الرقّ والجلد والتعذيب تلك التي كانت تقع على أجساد الزنوج وقع السياط المسعورة..
هذا السعار المحتدم ولَّد في ذات هيرييت ستو الكثير الكثير من الرفض، وما كان لها هي الكاتبة إلا أن تترجمه في صورة رواية «كوخ العم طوم» التي بلغ عدد مبيعاتها عشرات الملايين..
«كوخ العم طوم» قالب روائي يصبّ على قارئه ما يحرق من صور التعذيب الذائبة تلك التي ينصهر قبالتها قلبك، فلا تكاد تصدِّق أنتَ أنتَ أن بطل الرواية تتمدد نسخه في الواقع، أو أن عالمها (الرواية) لا يختلف عن عالمك..
لهذا كان قراء الرواية يذوبون على امتداد رحلة القراءة، هكذا جعلت هيرييت ستو من قَدَر أبطال «كوخ العم طوم» حياة ثانية من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن يَكفر بها الواحد..
الحلم بالانعتاق الذي كان يخيل إلى الزنجي «طوم» (بطل الرواية) بعيدا ها هو قد مَهَّدَ للحرب التي ستُعيد الأمل في الإنصاف إلى زنوج أميركا أولئك الذين جرَّدتهم العبودية من أي إحساس يُذَكِّرُهُم بأنهم من طين الإنسان..
صور تعذيب العبيد فتحت عينَيْ هيرييت ستو لتعيد قراءة الواقع في ظل ما تؤمن به من ضرورة الثورة، ولعل هذه الثورة الداخلية هي ما دعا إلى مصادرة رواية «كوخ العم طوم» بعد أن أيقظت صرخات الرفض في نفوس القراء الذين تفاعلوا مع الرواية إلى أبعد مدى..
وبهذا كانت هيرييت ستو المرأة الحديدية التي أشعلت فتيل التغيير في أميركا في الوقت الذي لم يَقْوَ فيه الرجُل على فِعل شيء يسمح بتحرير العقل قبل تحرير العبيد أولئك الذين عاث الأسياد فسادا في ملاعبهم الدامعة القلب والدامية العينين..
زمن قصير رفع هيرييت ستو على عرش يحمله الزنوج العبيد الذين رأوا فيها قدِّيسة وأمّاً قَلَّمَا يَجود بها زمن الإنسانية التي سقط ثوبها عند رصيف العمى الاختياري في عيون مبصِرة..
هيرييت ستو تُعيد كتابة التاريخ الأميركي، يباركها الإنسان الأميركي بشقيه الأبيض والأسود، ولا صوت يَعلو على صوتها بعد أن لعبت روايتها دور البطولة في نقلها من حياة العتمة إلى ما تحت الأضواء..
هكذا هي المرأة، بإحساسها، بليونة قلبها، بعقلها المبصِر، قطعة سُكَّر هي المرأة، هي المرأة قطعة سُكَّر تُحَلِّي فنجان الرجُل وهي تعزف له على وتر الإنسانية الزاحفة زحفَ سرطان حميد..
مِن هنا تحية لهيرييت بيتشر ستو، تحية لها في زمن استخسر في الإنسان أن يرفع له التحية..

سعاد درير