كتاب وأراء

يا سوريتنا الدامية الحزينة

عام جديد من أعوام ما بعد الثورة السورية قادم على السوريين دون أن يتغير أي شيء في مستقبلهم، مازالت الحرب قائمة رغم كل الحديث عن انتهائها، ومازال السوريون في الداخل السوري يعانون من خوف أثر الحرب رغم وعود عودة الأمن والأمان إلى البلد، ومازالت، غالبيتهم، تعاني من شظف العيش والفاقة بعد أن انحدرت الليرة السورية إلى مستويات غير مسبوقة أمام الدولار، مما أدى إلى المزيد من احتكار المحتكرين للمواد الأساسية وإلى ارتفاع جنوني بالأسعار، ومازالوا يعيشون في ظلام وبرد بسبب الانقطاع اليومي الطويل للكهرباء في كل سوريا، وبسبب شح مواد التدفئة وارتفاع أسعارها، ومازالت سوريا التي دمرها (الجيش العربي السوري) وحلفاؤه الدوليون مدمرة بالكامل مع الأحاديث المتواصلة عن إعادة الإعمار والذي على ما يبدو أنه غير مسموح به، قبل الوصول إلى حل سياسي للأزمة السورية، هذا الحل الذي يعطله المجتمع الدولي واضعا عدم اتفاق لجنة المفاوضات بين النظام والمعارضة عذرا أساسيا، رغم أن أصغر طفل سوري يدرك أن الحل في سوريا هو بيد المجتمع الدولي، وأن قرارا جديا واحدا يمكنه أن يوقف هذا الاستنزاف اليومي لسوريا وشعبها.
أما السوريون خارج سوريا، فهم على ما هم عليه: السوريون في المخيمات في الدول القريبة، يعانون كما كل شتاء، من البرد الشديد، ومن غرق خيمهم بأمطار هذا الفصل الذي يصبح خيره وبالا على سوريي المخيمات، ويعانون من تغير مزاج ممولي المنظمات الدولية التي يفترض أنها تشكلت لخدمة اللاجئين! والسوريون في الدول العربية يعانون من تعسف الحكومات، والسوريون في دول اللجوء يعانون من عدم القدرة على التأقلم مع المجتعات الجديدة، ومن الحنين إلى أرض الوطن المفقود، والسوريون في العالم الافتراضي، عالم وسائل التواصل الاجتماعي، يشنون حروبا وراء أخرى على بعضهم البعض دون أية رحمة، حتى ليقول قائل إنه لحسن الحظ أن العالم الافتراضي لا مجال لحمل السلاح فيه وإلا لازداد عدد الضحايا السوريين أضعاف ما هم عليه الآن! أما هيئات ومؤسسات المعارضة السورية فما زالت كما هي: تخبط وانعدام كامل لرؤية سياسية تنقذ سوريا، وولاءات موزعة هنا وهناك يبدو الولاء الوطني السوري آخرها، وهو نفسه ما يظهر أيضا من النظام السوري الذي سلم نفسه، كما سلم سوريا لحلفائه بحيث يبدو رأس النظام كما لو أنه متروك للحظة حاسمة ما، بينما تسرب روسيا الأخبار عن عزل جنرالاتها لعسكريين سوريين ومحاكمتهم أو سجنهم، وأخبار عن البحث عن بدائل لرأس النظام الذي لا يزال يتصرف كما لو أنه صاحب قرار فعلي في سوريا، ومازال مؤيدوه يتكلمون نفس الخطاب الذي كان سائدا قبل 2011، وكأن لا شيء حدث في سوريا بالنسبة لهم، رغم الأثمان الهائلة التي دفعها هؤلاء من خيرة شبابهم، وهو ما يطرح سؤالا حول إمكانية إيجاد حل حقيقي ينقذ الجميع في ظل اعتبار مؤيدي النظام، حتى اللحظة، أن ما حصل في سوريا هو مؤامرة كونية تستهدف قلعة الصمود التي يشكل رئيسها صخرة في وجه التمدد الإسرائيلي، مع تجاهل هؤلاء للاستباحة شبه اليومية للسماء السورية من قبل العدو الإسرائيلي دون أن يتلقى هذا العدو أي رد مواجه سوى الكلام.
أما المعتقلون والمختفون في المعتقلات السورية المتنوعة، فمازالوا مجهولي المصير وليسوا في بال أحد رغم مصادقة مجلس النواب الأميركي على قانون قيصر قبل شهر ونصف الشهر من الآن، والذي لا يبدو أنه سوف يغير شيئا من وضع المعتقلين والمختفين السوريين، ولا من حال السوريين عموما، مثله مثل كل القرارات الدولية السابقة، سيظل حبرا على ورق بما يخص النظام السوري، ومزيدا من الحصار والقهر بالنسبة للسوريين في داخل سوريا!
وحدها إدلب اليوم، هي شجرة الميلاد السورية الدموية، يتزين أخضرها بالدم والدمار، وهي تودع عقدا من الزمن وتستقبل آخر بمشاهد تتلف القلوب، إذ يهيم سكانها على وجوههم، حرفيا، هربا من الموت الذي لا يتوقف، دون أي يوجد أي مكان يلجؤون إليه، بعد أن أغلقت كل الأبواب في وجوههم، بينما تبدو خلفهم إدلب وريفها بمشهد يذكر بالحرب العالمية الثانية، دمار كامل ودخان كثيف وأضواء القذائف المتواصلة تظهر وتختفي كما لو أنها تنذر العالم بقادم أسوأ.
لم يكن عيد الميلاد السوري ولا العام الجديد يوما بأسوأ مما هو عليه نهاية 2019 وبداية 2020، سيقول طفل استطاع النجاة من الموت المنهمر على أدلب، حينما يكبر، معيدا على أولاده نفس الحكاية التي يحكيها من استطاع النجاة من الموت في سوريا منذ عام 2011 وحتى عام لا يعرف غير الله تعالى تاريخه.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران