كتاب وأراء

يسكن بين أصابعهم والقلم

مرّ الخامس والعشرون من ديسمبر ذكرى ميلاد المسيح عليه وعلى أمه السلام، ولن أضيف شيئاً على ما قيل ويقال كل عام في هذه المناسبة، ولكنني أتوقف عند رجل ولد في مثل هذا اليوم «بدر شـاكر السـياب» ومن هو لتـفرد له وسائل الإعلام مسـاحات واسـعة ورقية أو زمنية؟ هـو المقلق راحة الآخريـن حتى مات «عجـوزاً» وعـمره 38 عاماً. لم يكن عزاء له أنه ولد في 25- 12- 1926 ولعله كان سـيتباهى بأن العالم كله يحتفل بعيد ميلاده، ولكن الفقـر والتـشـرد والغربة داخل وطنه ثم في المنافي لـم تكن تسـمح له بترف الطرفة، ولو أن القدر أمهله يوماً آخر لمات في يوم ميلاده نفسه، لكنه حرمه هذه الميزة، فأخذه الموت في 24-12-1964 غريباً تنهشـه العلل وينادي «يا عراق» فلا يسمع الجواب.
هـذا الفـتى الفـقير الدميم المتعـطش للحـب أحدث ثورة في الشـعر العـربي سـار في دربهـا الآلاف من أبناء الضاد وما زالوا يتكاثرون، ولذا قال لي عنه الناقد ماجد السـامرائي «حتى إذا أنكروا فضلـه يسـكن بين أصابعهـم والقلـم» ولم أسـمع أو أقرأ جملة عـبرت عن عظمـة شاعر بمثل هذه البلاغة.
قال لي الشاعر الراحل علي الجندي: كنا في بيروت نتقاسـم الفقر والتـشـرد، وجاء السياب فزاد فقرنا. وكتب له محمد الماغوط فيما بعد: تمسـك بقبرك أيها الغبي، فمن أتوا بعـدك قد لا يجـدون قـبوراً. وكان يسـتجدي يوسف الخال وأنسي الحاج أيام مجلة «شعر» أن ينشروا له قصيـدة ليعيش أياماً بمكافأتهـا، ولكن أحداً لم يعطه الحب وهـو يصرخ «أحبيني فكل من أحببت قبلك ما أحبوني» وظل ينادي «جيكور» والعراق فلا يصل إليهما حتى مات غـريباً في المستشفى الأميري في الكويت التي لم تبخل عليه.
كان فحول الشعراء نقاداً عـظماء، وكذلك كان السـياب حين قال: «إذا شـاعت كتابة الشعـر دون التقيد بالوزن، فلسوف تقرأ وتسمع مئات القصائد التي تحيل كتب السياسة وافتتاحيات الجرائد إلى شعر. وهو، لعمري، خطر جسيم» وكتب إلى أدونيس عام 1959:
قصيدتك رائعة بما احتوته من صور، ولكن: هل غاية الشـاعـر أن يُظهر لـلقـراء أنـه قادر على الإتيـان بالصور؟ أين هي من «البعث والرماد» العظيـمة التي ترى فيها الفكرة وهي تنمو وتتطور، فإذا حذفت منها مقطعاً فـقدت القصيدة معناها؟ أما قصيدتك الأخيرة، فلو لم تُبقِ منها سوى مقطع واحد لما أحسست بنقص فيها.
رحمـه الـلـه، مرت ذكرى ميلاده ووفاته دون أي اهـتمام، ولكنه ســيظل اســمه يدوي في فضاء الشـعر، حتى لو نســيه هذا الإعلام المريض المشغول بالمتراقصين والمتراقصات.
بقلم: نزار عابدين

نزار عابدين